Translate

السبت، 17 أكتوبر 2026

الى أين نسير؟

 إلى أين نسير؟


 محمد محمود ولد سيد يحي، باحث اجتماعي


سؤال أعاد طرحه فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني على الرأي العام في ولاية آدرار، تماما كما طرحه الرئيس المؤسس المختار ولد داداه قبل سبعة عقود، ليطالب الجميع بالمشاركة في تحيين الإجابة على السؤال الوجودي الذي تطرحه الأمم النابهة على نفسها كل حين...

لقد جاء السؤال في محله، فالمكان على جبل آدرار بين العاصمة التاريخية للمرابطين "أزوكي" حيث يرقد الإمام الحضرمي مؤلف كتاب " الإشارة في تدبير الإمارة"، وغير بعيد من العاصمة الثقافية لهذه البلاد "مدينة شنقيط" رمز الثقافة المحظرية التي ذاع صيتها في الآفاق..

 والزمان مناسب فموريتانيا على وشك الدخول في حوار سياسي شامل يريد له رئيس الجمهورية أن لا يستثني أحدا ولا يغادر موضوعا..

وبما أن سؤال المسيرة والمصير سؤال اجتماعي أكبر من السياسة، ولأن السياسة أخطر من أن تترك للسياسيين كما يقال، فقد دأب المشتغلون بالفكر والثقافة في هذه البلاد على طرح هذا السؤال كل بطريقته وحسب مجاله..

ولعل المقال الشهير الذي حمل نفس العنوان للراحل محمد يحظيه ولد ابريد الليل يمثل نموذجا من الإجابات التي درج عليها المثقفون بهذه البلاد والتي غلب عليها التشاؤم، ذلك التشاؤم الذي كنت أعتبره دائما من باب ما يقال من أن " الشفيق مولع بسوء الظن"..

وعندما كتب الروائي الكبير "موسى ولد ابنو" روايته العالمية "مدينة الرياح" منتصف التسعينيات، كان الأفق قاتما، وموريتانيا 2050 كما توقعتها الرواية محمية دولية تعيش تحت رحمة النفايات النووية..

وهو نفس الروح المتشائم الذي حملته رواية الإعلامي المتميز محمذن بابا ولد اشفاغا "وادي النعام" التي وصفت مجتمعا تحت رحمة المخابرات الدولية والشركات متعددة الجنسيات، ويصبح مقرا للنفايات النووية، بينما تنشغل طبقته السياسية في نقاشات بيزنطية تنتهي بغرق العاصمة نواكشوطّ!!!

وكان رائد علم الاجتماع الموريتاني الدكتور عبد الودود ولد الشيخ كتب مقالا في جريدة القلم بداية الألفية بعنوان "الاستبداد الجنوبي"، تكلم فيه بشكل متشائم عن جذور الاستبداد في التقاليد الطبقية، وعن مستقبل مظلم للتغيير في دولة زبونية، تعيش على اقتصاد ريعي ومساعدات خارجيه حتى سماها "هبة البنك الدولي"... وعلقت عليه يومها  بمقال نشرته في كتاب المجتمع الفضفاض تحت عنوان "الفراعنة ليسوا موريتانيين"، رفضت فيه رسوخ قيم الاستبداد، وعلقت الأمل على التغيير الذي تزكيه قيم الاشتراكية القبلية ودعوات الإصلاح الديني التي تشكل جزءا أصيلا من المخيلة السياسية لهذه البلاد.. وكان من قضاء الله أن شكل تغيير 2005 فرصة تاريخية أنهت ليل العهد الطائعي الطويل، وشكلت نموذجا نادرا للقاء النخبة السياسية العسكرية والمدنية لمراجعة مسيرة البلاد، مكنت من تجاوز هزات عنيفة بعد ذلك..

وخلال المقالات التي نشرتها في الصحف الوطنية إبان عقد التسعينيات وجمعتها في "كتاب المجتمع الفضفاض" قبل ربع قرن، كانت المؤشرات يومها مقلقة، فالبنوك التنموية تفلس، والاحتقان السياسي على أشده، والنساء الملثمات يقفن على قارعة الطريق.. ومع ذلك كنت أومن أن المجتمع الذي أنتج ثقافة عالمة مبهرة رغم ظروف السيبة السياسية والخصاص الاقتصادي، قادر دائما على تجاوز التحديات وتحويل المحن إلى منح..

 لقد كنت دائما أؤكد أن النقد لا يقتضي النقض، وأن "من قال هلك الناس فهو أهلكهم"

واذا كان الكثير من المحللين السياسيين والمفكرين يضيقون بهذا الوضع الهجين للدولة الموريتانية، والذي تتعايش فيه الحداثة مع القيم التقليدية، فإن النظرة الاجتماعية العميقة ترى في ذلك أحيانا عاملا من عوامل مرونة النسق الاجتماعي التي مكنته من تجاوز الكثير من الأزمات، ولعل البحوث الرائعة التي نشرها زكريا ولد أحمد سالم حول الدور الذي يلعبه التدين الموريتاني في مرونته وبعده من الراديكالية، والذي سميته تجوزا "علمانية الإسلام الموريتاني" دليل آخر على دور القيم المحورية في حماية المجتمع..

ولعل السياسيين وهم يتبارون في استغلال مخلفات العبودية، ويسعون لتمزيق النسيج الاجتماعي لأغراض انتخابية زائلة، يجهلون أن عمليات الاندماج الاجتماعي داخل المجتمع الناطق بالحسانية تسير بوتيرة مناقضة لما يشتهون، فالإقبال الكبير للغسالين والجزارين وأصحاب المهن اليدوية على الأشرطة الدينية وكاستات الموسقى البيظانية الرفيعة (سدوم، وديمي)، دليل على تنافس محموم على حيازة أرفع ما في الرأسمال الرمزي للمجتمع البيظاني (الدين والفن)...إنه الاندماج العظيم الذي يتم رغم أنف السياسيين وحساباتهم الضيقة...

إن طرح السؤال دليل على تصور جواب ما، كما هو دليل على التواضع، وعلى الحكمة التي تقول "إن نصف عقلك عند أخيك"، ورئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، قدم حتى اليوم إجابات عميقة لسؤال المصير الوطني، رغم أنه يؤكد كل مرة أنها ليست كافية، وأن طموحه للوطن أكبر من وتيرة سير العملية التنموية الجارية..

إن مشاريع؛ المدرسة الجمهورية، والاحتفاء بالتنوع الثقافي، والتآزر الاجتماعي مثلا، من البرامج التاريخية التي تحسب لهذا النظام، ولكن البرامج الكبيرة تثير شهية أكبر وتفتح الباب كل مرة لأسئلة كثيرة؟

 فرغم آلاف الفصول التي يتم بناؤها سنويا، وآلاف المدرسين الذين يتم اكتتابهم، هل قضينا على الازدحام داخل الفصول في المدن الكبيرة؟ وهل نحن على طريق استبقاء كل التلاميذ في المدرسة حتى نقضي على الثلث المعطل للأمية؟

رغم العائدات الكبيرة من الذهب والعائدات المتوقعة من الغاز، هل استطعنا تأسيس اقتصاد غير ريعي يستغل الإمكانيات الزراعية والرعوية، ويحول الأسماك إلى المصانع المحلية قبل التصدير؟ وهل تمكنا من تأسيس صناعة الحديد حتى لا يستمر تصديره وهو خام؟ وهل تمكنا من توفير فرص عمل كافية لمجتمع شاب حتى نتجاوز نسبة الفقر التي تناهز27 % حسب الاحصائيات الرسمية؟

كيف نجفف منابع الفساد الذي أصبح "نحلة معاش سياسي" تزكيه الديمقراطية الهجينة ومنطق الولاء مقابل العطاء؟ كيف نفصل الإدارة عن السياسة؟

لا يجادل أحد في النجاحات الأمنية الكبيرة، والخروج الآمن من الأزمات الدولية والإقليمية المتلاحقة التي عرفناها خلال السنوات الأخيرة، ولكن هل بنينا آلية ثابتة لمواجهة أزمات الجفاف والفيضانات والتوترات الإقليمية؟

إن الأمم الناجحة هي الأمم التي تحسن طرح الأسئلة وتستفيد من جميع طاقاتها في الاستجابة للتحديات التي تواجهها..

 من هنا فإننا نؤكد على ضرورة أن لا يكون الحوار القادم حوارا بين السياسيين وحدهم، ومن المهم أن يواكب الحوار المقبل بمنتديات متخصصة لخبراء في الاقتصاد والاجتماع والتربية حتى ولو كانت تحت شعار المجتمع المدني.. 

ولعل هذه أن تكون فرصة حتى نحفظ للجامعة والوسط الأكاديمي دورهما في تطوير النقاشات العامة، كما درجت عليه الأمم القوية في العالم المتقدم..

لقد قال أسلافنا إن نصف العلم في السؤال ونصفه الآخر" لا أدري"..

 وقد أمرنا الله بما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم أن نقول: "وقل رب زدني علما"