Translate

الخميس، 3 يونيو 2021

هشام جعيط.. ابن خلدون الحائر

هشام جعيط.. ابن خلدون الحائر

 محمد محمود ولد سيد يحي

 

عندما فتحت كتاب هشام جعيط "السيرة النبوية" قبل بضعة عشر عاما، وجدت نفسي أمام ذلك الصنف من الكتب الذي لا يمكن أن تفارقه قبل أن تكمل قراءته وأنت تلهث خلف سطوره، فطريقة هشام جعيط في كتابة تاريخنا الإسلامي طريقة التفكير بصوت عال، ورغم أننا لا بد أن نختلف معه بسرعة لأنه يمتلك جرأة عالية في الاصطدام مع الثوابت والقناعات الراسخة، لكننا لا نملك إلا أن نحترمه، فالرجل يكتب بموسوعية من يمتلك ناصية العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة، ويقف في ملتقى طرق الفكر البشري المعاصر..

لقد عدت مرات عديدة لقراءة هذا الكتاب لأنه تحداني، وأثار أسئلة فتحت شهيتي لقراءة كتب أخرى في مجالات متنوعة، رغم أنني كنت وسأظل مختلفا معه في مصادرات كثيرة..

في الجزء الأول من ثلاثية السيرة، نعثر على نص فريد يسير بين التاريخ والفلسفة وعلم الأديان، في دراسة مقارنة لظاهرة الوحي، لقد عدنا إلى "جليل الكلام" بلغة السلف، وفي الجزء الثاني "محمد في مكة" نطالع نصا في الانتربولوجيا التاريخية، ونندهش أمام نقد عاصف للمصادر والروايات الأصلية، ونخرج بصدمة كبرى أمام اللغة العلمانية الباردة التي يخاطب بها جعيط قطعياتنا الإيمانية، وفي الجزء الثالث "محمد في المدينة" نتعرف على موجز فريد حول الغزوات وانتصار الإسلام..

تتمثل المساهمة الكبرى لهشام جعيط في وقوفه بصلابة أمام موجات الاستشراق العدمية الجديدة والتي قادتها "باتريس كرونه" ورفاقها في كتاب" الهاجريون"، لقد أكد بلغة علمية قوية وبناء على شروط القوم أن القرآن الكريم هو النص الأقوى حجية في تاريخ الإسلام، وأنه نص أصيل ومعاصر للنبي صلى الله عليه وسلم  وصحابته، على عكس موجات التشكيك والتلاعب الحمقاء التي قادها جيل من يسميهم جعيط صغار المستشرقين، والذين ما كان لهم أن يجهروا بهذا الكلام لو كانوا يعلمون أن جيلا أكاديميا لهم بالمرصاد.

ودافع هشام جعيط بشراسة عن ظاهرة الوحي، حتى لو دفعه ذلك إلى خطيئة المساواة بين القرآن الكريم، وأنشودة السعيد الهندية، وموعظة الجبل التي روتها الأناجيل، وإذا كان لنا أن نلتمس للراحل عذرا رغم اختلافنا معه، فإن طبيعة من يخاطبهم من المستشرقين ودراسي الإسلاميات بالمناهج العصرية تغفر له الكثير من الزلات، اللهم إلا ما خالف فيه قطعياتنا العقدية التي لا تقبل الجدال.

لقد كان هشام جعيط مؤرخا كبيرا ووريثا شرعيا لابن خلدون، وقدم عملا موسوعيا لنقد الرواية التاريخية الإسلامية بناء على "طبائع العمران"، هذه المرة بلغة العصر وعلومه ومصطلحاته.

 اليوم وبعد عمر حافل بالعطاء العلمي يغادر عالمنا هذا الجهبذ الكبير، والذي أكد أن تونس أو إفريقية كما سماها الرومان والعرب، تونس الخضراء ما زالت تنجب العباقرة، وأن ابن خلدون آخر ولد هنا وترك بصمة لا تنسى في علم التاريخ..

 


الجمعة، 28 مايو 2021

رهانات السوسيولوجيا الموريتانية

 

السوسيولوجيا الموريتانية.. أية رهانات؟

 محمد محمود ولد سيد يحي

 

طلب مني زملاء مولعون بحسن الظن من منتدى السوسيولوجيين الموريتانيين أن أساهم معهم بورقة في ندوة  بعنوان " السوسيولوجيا بموريتانيا المعوقات والفرص"

ورغم أنني سأكون متطفلا إن لم أكن متطاولا وأنا أسمح لنفسي بالحديث أمام هذا الجمع الكريم من أساتذة وباحثين لهم شرف السابقة والميدان، بينما حبسني حابس الفيل منذ بعض الوقت وشغلتني دهاليز الإدارة والتسيير كما قال الناظم:

 شغلت بالنحو وبالبيان

 وإن هذان لساحران

وقبل أن أدخل الموضوع أرجو من الجمع الكريم قراءة الفاتحة ترحما على روح فارس من فرسان السوسيولوجيا الموريتانية، ما كان له أن يتخلف عن هذا الموعد لولا أنه انتقل إلى العالم الآخر، أخي وزميلي الأستاذ الباحث محمد ولد احميادة رحمه الله..

قبل عشرين عاما ومع بداية الألفية الثالثة كان على العبد الفقير أن يختار عنوانا لمجموعة من المقالات والبحوث التي تم نشر معظمها خلال التسعينيات في الصحف الوطنية، قرر أن يجمعها في كناش أو كتيب مطبوع طباعة بدائية، ووقع الاختيار على عنوان أقدم المقالات "المجتمع الفضفاض" وكان العنوان الفرعي "ملاحظات سوسيو نقدية حول المرأة، والسلطة، والثقافة في المجتمع الموريتاني المعاصر"، أما العنوان العريض الذي جاء في المقدمة فقد كان طموحا "من أجل علم اجتماع موريتاني نقدي"

لقد كانت الفكرة الأساسية في الكتاب والهم الرئيس للمؤلف هو أن يطلق مجموعة من الفرضيات والملاحظات للملمة شتات البحوث الميدانية والكتابات المتفرقة حول المجتمع الموريتاني، لتقديم ما أسماه عالم الاجتماع الأمريكي الكبير"رايت ميلز" "خيالا سوسيولوجيا" يساهم في إنارة الرأي العام حول القضايا التي تشغله اعتمادا على الأطر النظرية التي قدمها الرواد..

لقد حاولنا خلال تلك الفترة أن نوجه السجال حول تصنيف العائلة الموريتانية ما بين "الأبوية" ورواسب "الأمومية الصنهاجية" للوصول إلى نمط العائلة "مركزية الأم" التي يطبعها شيوع الطلاق رغم ارتفاع مكانة المرأة نسبيا، كما ساهمنا في السجال الذي أطلقه رائد السوسيولوجيا الموريتانية المعاصرة الدكتور عبد الودود ولد الشيخ حول القبيلة والسلطة، خلال انحيازه الشهير للأطروحة الخلدونية ردا على النظريات الانقسامية التقليدية وتفسيره لدور المخيال الديني في تأسيس مجال الإمارة كسلطة فوق قبلية في المجتمع القديم، وحاولنا محاورته حول تصنيف نمط السلطة القائم في البلاد منذ الاستقلال بين التقاليد السلطانية كما يسميها "ماكس فيبر" و"فتفوجل" في ظل الدولة الريعية التي اعتبرها هبة المساعدات الدولية، واخترنا أن "المخيال السياسي الموريتاني" الذي جذرته ثقافة المحظرة والطرق الصوفية ونمط إنتاج الغنيمة هو أقرب إلى مقولات العقل السياسي العربي في تحليل العلاقة بين ثلاثي؛ القبيلة، والغنيمة، والعقيدة، كما يسميه محمد عابد الجابري، وخرجنا بأن  المخيال السياسي والديني الموريتاني أكثر انفتاحا على التغيير من النظرة المتشائمة لعميد السوسيولوجيا الموريتانية.

 وفيما يتعلق بالقيم الثقافية في المجتمع الموريتاني رصدنا مرحلة التحول، وتضارب المنظومات الأخلاقية التي سميناها بحالة "الفضفضة" لمجتمع أصبح ثوبه القديم غير ملائم، ولم يتمكن بعد من تفصيل ثوبه الجديد.

لقد نظم رواد السوسيولوجيا الموريتانية المعاصرة ندوة هامة سنة 2010 بمناسبة خمسينية الاستقلال الوطني، أشرف عليها أستاذنا عبد الودود ولد الشيخ، وشارك فيها كل من "د شاسي" والراحل "بيير بونت"، وتم نشر أعمالها باللغة الفرنسية، وكما تعلمون فإن أهم الأعمال السوسيولوجية لهؤلاء الرواد  لم تصل بعد إلى قراء العربية فيما عدا الجهود الكبيرة والمقدرة للدكتور محمد ولد بواعليبه الذي ترجم بعض الكتب الهامة لكل من "د شاسي" و"بيير بونت" وآخرين..

واذا أردنا أن نرسم خطاطة عامة لوضعية البحث السوسيولوجي حول المجتمع الموريتاني يمكننا أن نقول إن الإسهامات الكبرى ركزت على سوسيولوجيا التاريخ و محاولة تفسير نشأة المجتمع الموريتاني التقليدي، وهنا تركزت أعمال كل من عبد الودود ولد الشيخ، وبيير بونت الذي قدم دراسة انتربولوجية نادرة لروايات الأصول البيظانية، وصف فيها بجهد موسوعي تحولات الأنساب والبنيات القرابية في المجتمع منذ انهيار المجال السوداني وطريق "الذهب والملح" بعد سقوط تمبكتو بيد السعديين نهاية القرن السادس عشر الميلادي، وتبلور العصر الحساني الذي يمكن وصف "نحلة معاشه" الأساسية حسب المصطلح الخلدوني أو "نمط انتاجه" بالمفهوم الماركسي بأنه عصر "العلك والخنط" والمبادلات عبر الشواطئ.

ولعل أهم إضاءة سوسيولوجية حول المجتمع الموريتاني المعاصر هي أطروحة "دي شاسيه" "المجتمع الموريتاني من 1900 الى1975 " وقد حاول فيها اعتمادا على المقاربة الماركسية وصف تأثير الإدارة الاستعمارية، والرأسمالية العالمية، ودولة الاستقلال، في التحولات التي عرفتها السلطة السياسية وصولا إلى تشكل طبقة حاكمة يلعب فيها الإداريون، والزعامات التقليدية، وكبار التجار دورا بارزا، كما وصف بشكل عميق صراع المدرسة والمحظرة، وجدال التعريب والفرنسة، والتوترات العرقية وإشكاليات الهوية التي توظف في منافسات النخبة السياسية.

وقد وضحت في كتاب "المجتمع الفضفاض" أن أكبر تغير عميق عرفته بنية المجتمع الموريتاني التقليدي كان تحت تأثير ضربة جفاف السبعينيات، فقد انتهى عهد التجاور الغزلي بين الإدارة والقبيلة (عصر الحصرات)، وهجر الناس البوادي إلى "مدن متريفة اومتبدية"، وبدأ العهد الطويل لتراجيديا الكبات والكزرات، وانهارت التقاليد العبودية، لقد لجأ المجتمع التقليدي إلى دولة لم تكن مستعدة، وتنامت الهجرة منذ الثمانينيات في "تغريبة موريتانية" جديدة خلدتها رائعة الشاعر الكبير "أحمدو ولد عبد القادر" "السفين":

 رحلنا كما كان آباؤنا يرحلون

 وها نحن نبحر

 كما كان أجدادنا يبحرون..

ومنذ بداية الألفية الثالثة عرف المجتمع الموريتاني منعطفا جديدا مع تنامي العولمة، مثله في ذلك مثل غيره من مجتمعات العالم، فطوفان الصور والأفكار الجديدة، ودخول الهواتف الذكية، ووسائط التواصل الاجتماعي، حيث الواتساب ملائم ل"مجتمع اشطاري".. كلها تحولات تطرح رهانات حقيقية على السوسيولوجيا الموريتانية..

وقد عرضت الباحثة "سلين لزورد" في ندوة خمسينية الاستقلال مثلا لتحولات الموضة في الطبقة الارستقراطية للمجتمع بين التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، ما بين ثقافة "التشعشيع والترف الباذح"  وما سمته "الأغنياء الأتقياء" وهي ما يلقبه عبد الودود ول الشيخ بظاهرة "الطلبنة" في الحواضر، والمظاهر السلفية والتنافس في المظهر الديني، ومنبهات الأذكار والأدعية في التلفونات، وعمرة رمضان...وهو ما لمسناه في المقابل من تعلق فئات اجتماعية مهمشة في الإقبال على أشرطة الوعظ الديني، وكاسيتات الموسيقى الكلاسيكية لسدوم وديمي لدى فئة "الغسالين" مثلا، في حراك ثقافي لامتلاك الرأسمال الرمزي كما يسميه "بورديه" سعيا لتسنم مكانة أفضل في سلم القيم الاجتماعية السائدة..

ولقد شارك العبد الفقير في العديد من الدراسات الميدانية حول العنف ضد المرأة، وعمالة الأطفال، وسوسيولوجة المرض، وغيرها من الموضوعات المتنوعة، ونشر المكتب الوطني للإحصاء  بيانات وافرة عبر الإحصاء العام للسكان والمساكن، والمسح المعيشي للأسر، كما تنشر المنظمات الدولية مثل اليونسيف، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمة الصحة العالمية ،دراسات انتروبولوجية واجتماعية حول إشكاليات عديدة، ولكن كل ذلك تهيمن عليه الأغراض العملية الإجرائية، وينقصه الخيال السوسيولوجي الضروري لإعطائه دلالة علمية..

إن التحدي الكبير والرهان الأول أمام السوسيولوجيا الموريتانية مثل السوسيولوجيا في العالم، هو وفرة البيانات الإحصائية والمعلومات "الأمبريقية"، وضعف الأطر النظرية والفقر في الفرضيات الخصبة التي تعطي للبحث العلمي دلالته كما يقول "كارل بوبر".

وأعتقد أن الوسط الأكاديمي ونادي السوسيولوجيين الموريتانيين بالأخص مطالب بوضع خارطة طريق مشتركة لأهم المجالات البحثية التي تجيب على الأسئلة الملحة لمجتمع غزته الثورة الرقمية، وتتنامى فيه ظواهر الجريمة والانحراف والغلو، وتضغط فيه البنيات التقليدية على الإدارة محدثة شقوقا بارزة في البناء الاجتماعي..

 وحتى لا أكون متشائما أؤكد هنا أن تاريخ المجتمع الموريتاني كان دليلا على القدرة على التكيف مع التغيرات، وتجاوز الهزات العنيفة، ولعلها "البركة" بلغتنا نحن المسلمين، أو حيوية النسق الاجتماعي في ابتلاع التوترات بل تحويلها إلى مسارات مفيدة بلغة "تالكوت بارسونز"، ولكن الدور التأطيري للمجتمع الأكاديمي ما زال ضعيفا في مواكبة استحقاقات المرحلة، ولعل هذه البداية أن تكون فأل خير..

 وفقكم الله جميعا وأشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

 

 

السبت، 6 يناير 2018

رواية الحدقي أو جاحظ الجزيرة الموريتاني المتشائم


رواية الحدقي
أو جاحظ الجزيرة الموريتاني المتشائم
محمد محمود ولد سيدي يحي

عندما قرأت رواية الحدقي للكاتب الصحفي أحمد فال ولد الدين، تذكرت مقالا قديما كتبه أحمد حسن الزيات في بداية القرن الماضي عن الشيخ محمد محمود ولد التلاميد"في مجلته "الرسالة" تحت عنوان  "الشنقيطي كما عرفته"، يصف فيه حروب الشيخ مع أئمة وخطباء القاهرة، وتخطئته لهم في لغتهم وأحاديثهم..
 وقد رسم عميد الأدب العربي طه حسين صورة كارياكارتورية للشيخ الشنقيطي في سيرته الذاتية "الأيام" وخلافه مع علماء الأزهر على صرف "عمر" وتقديمه مائة بيت من الشعر الجاهلي على أنها غير ممنوعة من الصرف..
 ذكرتني رواية الحدقي بتلك الأستاذية التي يحرص هؤلاء القادمون من الأطراف القصية من إفريقيا أن يفرضوها على المشرق العربي في لغته وتراثه منذ قرون..
تعرض رواية الحدقي بلغة عربية قوية قصة كاتب صحفي موريتاني في قناة الجزيرة  أراد أن يكون مدققا لغويا، ولكن صرامته أثقلت على الصحفيين فحولوه لقسم الوثائقيات، وكلفوه بكتابة رواية تاريخية عن الجاحظ، وتتعاقب في الرواية الأحداث بين قصة الصحفي التي اختزلها الكاتب في علاقة عاطفية مع فتاة سعودية مهاجرة في قطر، وبين مشاهد من حياة الجاحظ التي طغت على معظم صفحات الرواية بلغة عباسية رفيعة..
يصف الكاتب بشكل ممتع جو مدينة البصرة في نهاية النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، ويرصد محطات حياة الجاحظ منذ طفولته وولعه بالعلم وتلمذته على الخليل بن أحمد الفراهيدي، ثم اندماجه في جماعة المعتزلة "أهل العدل والتوحيد" مع العلاف والنظام، ومناظرات الفرق في المدينة المتنوعة،  وولعه بالوراقين والتأليف حتى ذاع صيته وتلقى الأعطيات من الولاة،  فاستدعاه ابن الزيات لبغداد وأعانه على التفرغ للتأليف، ليصبح ابن الزيات وزيرا للمعتصم ثم يشي به الوشاة لينتهي مقتولا، فيتفرغ الجاحظ للتأليف حتى أصابه الفالج بعد أن أصبح مرجعا للعامة والخاصة من الشعراء والعشاق يفدون إليه ويستشيرونه في قضاياهم وهو  ملقى على جنبه بين كتبه التي كان سقوطها سبب وفاته..
ضبط المؤلف الإيقاع الروائي لقصة صحفي الجزيرة وعلاقة الحب التي جمعته بالفتاة السعودية مع إيقاع قصة حب فاشلة للجاحظ مع ابنة أستاذه تماضر بنت الخليل بن أحمد؛ والتي فضلت عليه ابن المديني  قائد أهل الحديث أعداء المعتزلة، واستكملها بزواج الجاحظ من جارية المأمون فائقة الحسن التي طردها سيدها بعد أن فضلت عليه أحد غلمان القصر، لينتهي بها المطاف زوجا سعيدة للجاحظ على دمامته وقبحه المشهور..
ورغم ما ملأ به الروائي صفحات الرواية من تأملات في الحب على لسانه تارة وعلى لسان الجاحظ تارة أخرى، فقد بدت قصصه من نوع "الحب المستحيل"، فما الذي يجعل جارية من بنات ملوك الفرنجة ترفض وصل سيدها ولي العهد المأمون من أجل جندي أو غلام من غلمان القصر؟ وتنتهي حياتها وهي من هي في جمالها وحسن صوتها بالرضى بكاتب من أهل الجدل شائه الخلقة مثل الجاحظ،؟؟ وأغرب من ذلك تعلق الصحفي الموريتاني بالفتاة السعودية، رغم أن نهاية القصة هنا أقرب للممكن حيث انتهت برفض زواج "القروي" من "مطوعة بريدة"..
ورغم أن ولد الدين كان حذرا مختصرا في قصته عن الدوحة وقناة الجزيرة، فإنه عوّض ذلك في بسط الحديث عن التقلبات السياسية والثقافية التي عرفها العباسيون طيلة حياة الجاحظ، وهنا تحضر منذ البداية لازمة عنف السلطة وإدانتها وخطورة الاقتراب منها في الرواية، حيث مشهد قتل الخليفة العباسي المهدي للشاعر بشار بن برد بتهمة الزندقة، ثم نكبة البرامكة، ثم بعد ذلك مشاهد تعذيب الإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن بحضرة المعتصم، ومشاهد تعذيب ابن الزيات للتجار ونهايته المأساوية، ومشهد مقتل الخليفة المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان على يد الأتراك..
ففي الدوحة بدا الزمان مختصرا والحدث معلبا في قاعة التحرير أو الكافتيريا والكورنيش ما بين ثلاث سنوات 1438 إلى 1440 للهجرة، بينما تمدد الزمان العباسي ما بين البصرة وبغداد على ما يقارب قرنا من الزمان ما بين168 إلى 255 للهجرة..
ورغم أن الكاتب أراد للرواية التاريخية عن الجاحظ أن تكون الأصل ولسيرته الذاتية في الدوحة أن تكون الهامش، فإننا بشيء من التحليل النفسي نستطيع أن نكتشف أن العكس هو الصحيح، حيث أفلتت ملاحظات قليلة تشي بانطباعات سلبية أحيانا عن الدوحة، فجبهته الغماء يكاد الشعر يغزو كل أطرافها المضغوطة " كخريطة دويلة ضعيفة واقعة بين إمبراطوريتين متنافستين"... لا شك أن الأمر يتعلق هنا بدولة قطر.
ورغم رغبته في المقارنة بين الدوحة والبصرة من حيث الانفتاح وتنوع الثقافات، إلا أنه لا يلبث أن يتذكر أن "الحياة كلها في هذه المدينة التي يعيش فيها حياة مصطنعة، فكيف تكون غرفة الأخبار بتلك البرودة في جو كهذا؟؟" ولعل النهاية المحتملة للمهاجرين في هذه البلاد سيئة كما تخيلت الفتاة السعودية "القروي يقاد إلى مخافر الترحيل بين مئات الهنود والأفغان من أصحاب الجنح"!!
وقد جاءت لازمة حبيبات العرق التي تكررت كثيرا في وصف شخصيات الرواية لتعكس ضجرا مكتوما من كاتب الرواية بمناخ الضغط الحارق الذي يعيشه في منطقة الخليج...
وينقل ولد الدين جانبا من نقاشات قاعة التحرير في قناة الجزيرة التي سماها قناة "العروبة" والتي "يؤمن  إيمانا عميقا بأنها ساهمت في النهوض بالفصحى، وتوحيد اهتمامات الإنسان العربي"  حيث تقام فيها الدنيا لأن سبقا صحفيا أحرزته قناة أخرى؛ "كيف ننقل عن البي بي سي خبرا في العالم العربي..هذا ملعبنا نحن، وما لم نؤكده نحن فلن يتأكد...والخبر الذي لا نبثه نحن لم يقع!"
إلا أن قصة القروي واضطهاده وتهميشه في القناة تشير إلى أن الكفاءة ليست هي المعيار دائما في القناة " الفاضلة"!!، فقد كان سبب رفع الشكوى منه من قبل الصحفيين "هو كونه لا سند له في غرفة الأخبار، فلو أنه من إحدى الدول العربية الكبيرة لكانت له عصابة تحميه، وتدافع عنه، وتبرز محاسنه وتستر مثالبه". ويبرز النقد الـأكبر في تشاؤم ابن الدين بنهاية مستوى قناة العروبة التي أصبحت تنقل الأخبار باللهجات العامية بدلا من الفصحى، ولعل في ذلك تلميحا غير مقصود لتراجع شعبية "الجزيرة" منذ دخلت في صراعات ما بعد الربيع الدموي، وأصبحت منشغلة بالحرب الإعلامية المحلية التي تدور في الخليج بين الإخوة الأعداء..
وتحمل قصة الحب المستحيل بين القروي والفتاة السعودية "حصة" المشاعر السائدة في الدوحة وقناة الجزيرة تجاه إخوتهم في السعودية؛ ف"مطوعة بريدة" كائن متناقض، فهي تضيق بالتزمت الديني و"تدعو إلى الليبرالية الاجتماعية، ولكنها ضد الحرية السياسية، تنتقد الحركات الإسلامية السياسية، ولكنها تدافع عن المدرسة الوهابية بعقلية بدوي يطلب الثأر من أبيه" ..لا يختلف الوصف كثيرا عن بعض تقارير "فوزي بشرى" و"الكتبي" في الحرب الإعلامية الدائرة بين البلدين مؤخرا..
وفي رواية الحدقي صورة نمطية لكبرياء الإنسان الموريتاني الذي يصل حد البارانويا، فابن الدين معجب بأستاذيته اللغوية مثل ولد التلاميد وأسلافه من سفراء المحظرة، وهو معجب بتدينه "المختلف، وذلك الجهد الذي يبذله في إخفاء صدقاته وعباداته حرصا على الأجر"
لقد أسقط ابن الدين على مدرسة الخليل بن أحمد الفراهيدي في البصرة بعض سمات المحظرة الشنقيطية بأخصاصها وأعرشتها، وانتصر لآبائه وأجداده على أهل الجزيرة العربية عندما رد غاضبا على رفض والد "حصة" تزويجه من ابنته بالقول:
"-أنا أحصي سبعة من آبائي كلهم عالم، ولعلك تحصي نفس العدد من أجدادك قطاع طرق"!!
وفي رواية الحدقي تلاعب طريف لا يخلو من دلالة بالأسماء والألقاب، فالجاحظ هو الحدقي، وقناة العروبة هي قناة الجزيرة التي يبدو أن عروبتها ستتراجع لاحقا إلى المستوى العامي، والفتاة السعودية التي تكره "المطاوعة" المتدينين أصبحت "مطوعة بريدة"، وأما ابن الدين فإنه " القروي" رغم أنه بدوي معتز ببداوته العالمة، ولعلها نسبة إلى مدينة "قرو" بولاية لعصابة التي ينتمي الكاتب إلى مجالها القرابي..
لقد أراد ولد الدين أن يكتب عن الجاحظ وعصر التدوين العباسي وازدهار الترجمة والعقل، فكتب عن الدوحة وعصر الضعف العربي والصراعات العبثية، ورغم أنه ركز فيما يكتب على نقل المناظرات والجدل السائد في العصر الذهبي العربي، فقد أفلتت منه ملاحظات متشائمة عن العصر الحالي، وقديما قال الروائي فلوبير" مدام بوفاري أنا"، ويمكننا أن نقول إن الحدقي هو الحلم المستحيل لولد الدين وكتاب العربية الكلاسيكية في زمن الصراع العربي العربي الحالي..
 وتذكرنا النهاية المتشائمة لرواية الحدقي حيث يتم طرد القروي من قناة العروبة ليهاجر إلى زيورخ بنهاية متشائمة أخرى لكاتب من كتاب قناة الجزيرة هو الأستاذ محمذن باب ولد اشفغ في رواية "وادي النعام"، فالقروي سيهاجر إلى "صحراء لا سلطان لأحد عليه فيها" وولد اشفغ ينهي روايته بصورة غرق نواكشوط التي تصورها بلا رئيس في وقت هي أحوج ما تكون إليه..
هل هو التشاؤم الملازم للخط التحريري لقناة الجزيرة  وكتابها، أم هو تشاؤم الإنسان العربي الذي يعجز عن مواجهة الواقع فيلجأ إلى الماضي والتراث؟
في النهاية تبقى رواية الحدقي إضافة نوعية للمكتبة العربية، ودليلا جديدا على أن أحفاد الشناقطة مصرون على أن يظلوا سدنة التاريخ الثقافي، ومرجع اللغة  العربية الكلاسيكية، حتى في زمن الغوغلة والعولمة، وتراجع الخطاب العربي إلى لهجة التنابز والثارات التي تعود بالأمة إلى الوراء..

الاثنين، 11 سبتمبر 2017

"قصتي مع الحج"

راودت نفسي مرات قبل أن أسطر هذه الحروف لأشارك القراء بعض اللّحظات والملاحظات حول رحلة العمر إلى الحج، وقلت وماذا يمكن للمرء أن يقول بعد ما سطّره جهابذه هذا القطر في رحلاتهم إلى الديار المقدسة، وأين أنت أيها المغرور من مما كتبه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي "آب ولد اخطور علما" في كتابه "رحلة الحج إلى بيت الله الحرام" والأسئلة العميقة التي طرحتها عليه سيدة من مجموعته في منطقة "الركيبة" في مسائل بلاغية ومنطقية عويصة، وأسئلة السودان والحجاز التي كشف فيها العلامة عن درر علمه ورسوخ قدمه..
وهل بعد رحلة "المنى والمنة" للطالب أحمد ولد اطوير الجنة، ورحلات ابن جبير وابن بطوطة.. ورحلة الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر "محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي" التي أثمرت فتوحاته المكية التي حار فيها الفلاسفة وغرق في بحارها المتصوفة، لأنها من "المضنون به على غير أهله" كما يسميه حجة الإسلام الغزالي... بعد كل هذا كما قال الشيخ سيد محمد ولد الشيخ سيديا:
 هل غادرت هل غادر الشعراء في  
بحر القريض لطامع من مطمع؟؟
لقد كانت رحلات الحج دليلا على قوة الإيمان وحرقة الشوق لتلبية نداء أبينا وإبراهيم وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان القوم يقطعون آلاف الأميال ويقضون الشهور و السنوات في طريقهم إلى البقاع الطاهرة؛ يكابدون العطش والمرض ومخاطر الطرق من النهب والإغارة وأهوال البحار، حتى أن قبورهم أصبحت مزارات يتبرك بها الناس في "سيدي مطروح" و"سيدي براني" ..
وما نسبة حجنا إلى حجهم وقد أصبحت الطائرات النفاثة تنقلنا في ساعات يطوف علينا خلالها الحور العين من المضيفات والمضيفين بالوجبات الساخنة والمرطبات في أجواء من التكييف والدعة ما كان يحلم بها المترفون من الأمم السابقة واللاحقة ..
فقلت إنما هي رحلة دون رحلة، وملاحظات سريعة على طريقة حجنا معشر أهل الواتساب والفيسبوك، عسى أن يكون حالنا معهم كحال "الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإحسان، ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء، كل امرئ بما كسب رهين"..
ولا مجال هنا للحديث عن الحجوزات ورحلات الطيران والفرق بين الوكالات وبعثة الحجيح الرسمية..
فكل هذا قد تداوله الورى
 حتى غدا ما فيه موضع إصبع..
وقد كان أول موقف عظيم تصاغرت فيه النفس وخلف حزنا عميقا رافقني ولا أستطيع أن أنساه، هو مشهد جموع من المسلمين من جنوب آسيا وقفوا ببوابات الشرطة بمطار المدينة المنورة تفيض أعينهم من الدمع فرحا برؤية مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، كانوا يبكون بحرقة شبابا وشيبا ونساء وكهولا..وكنا معشر قساة القلوب مشغولين بالطابور وإجراءات  الدخول..وعندما عُدت لتذكر ذلك الموقف العجيب خشيت أن أكون ممن صدق فيهم قوله تعالى تعالى "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"
فهؤلاء الذين لم ينعموا بالتلقي المباشر لقصص القرآن الكريم، وبشارة وعده، ومشاهد وعيده، وجمال أمثاله وقصصه، يخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا، ونحن من علينا أنزل كأنما قلوبنا قدّت من صخر:
كذبتُ وبيت الله لو كنت عاشقا
 لما سبقتني بالبكاء الحمائم
ولمدينة الرسول ومسجده، صلى الله عليه وسلم، وموقع غزواته وديار صحابته، آثار عجيبة لا تضاهى في قلوب المؤمنين، فهنا جرت قصة عظيمة غيرت وجه التاريخ البشري، ولنا معشر الشناقطة الموريتانيين تعلق صوفي بحجرة عائشة وما حوته من جسده الشريف وصاحبيه، ف"الحقيقة المحمدية" حوت سرّ الإسلام ومذاقه، ففي شخصه المعصوم يلتقي عالم الغيب والشهادة، ومن سيرته العطرة وسنته المطهرة انبثقت قدوة القرآن الحي الذي ما زلنا نغذ السير خلف خطاه دون أن ندركه إلى اليوم، فلا تعجبوا من خفقان القلوب لهذا المكان بشكل فريد..
وللصلاة والدعاء وتلاوة القرآن الكريم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الروضة بين القبر والمنبر، طعم لا يضاهى وروحانية لا يمكن للمرء أن يشعر بها في أي مكان آخر.
 ولن أكتمكم أن أول عتبي على إخوتنا السعوديين القائمين على خدمة هذه الديار المقدسة في ذلك الفهم المتشدد لما جاء به الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب، حتى أنهم طمسوا الكثير من معالم التاريخ العظيم الذي كان يضج بالحياة في هذه البقعة المطهرة، ولا شك أن غرضهم في ذلك شريف وهو محاربة الشركيات والبدع، ولكن كان يسعهم ما وسع صحابة رسول الله والتابعين، وأن يبقوا على ديار أمهات المؤمنين وقبور الصحابة والتابعين بارزة، فلو لم يكن للآثار والصور مالها على النفس، لما استفاض القرآن الكريم في القصص والأمثال، ولما أمرنا بالسير في ديار الذين من قبل لأن في آثارهم عبرة لأولي الألباب، وقد أجمع المهتمون بنشر الدعوة على أن "فيلم الرسالة" على ما فيه، قدّم الإسلام للعالم بأقصر السبل، وترك انطباعا لدى الملايين أكثر مما يمكن أن تقدمه المجلدات التي سطرها الجهابذة وخطب الوعاظ ومحاضراتهم..
ولقد ذهبنا نتلمس خطى الذين رضي الله عنهم، ووقفنا نحمي ظهور المسلمين على جبل الرماة قرب قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وجبلُ أحد شاهد على يوم عظيم كان فيه النصر حليف الصبر، يوم وقف الإيمان موقفا يهزأ بالمصائب رغم عظيم الابتلاء..
 وذكرتني نسائم النخيل قرب مسجد قباء برائحة ربما تنسّمها شمُّ الأنوف من صحابة الرسول الخاتم، ووقفت متحسّرا قرب قصر "عروة بن الزبير" على أطلال وادي العقيق، وآلمني منظر "مسيل التلاع" الذي أصبح مهجورا بعد أن خلده عمر بن أبي ربيعة وشعراء الغزل الحجازي في روائع باقية أبد الدهر...
فقلت مع إبراهيم ناجي:
والبلى أبصرته رأي العيان
 ويداه تنسجان العنكبوت
 قلت يا ويحك تبدو في مكان
كل شيء فيه حيُّ لا يموت
ولقد ودّعنا مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وحالنا كمن قال:
 ودّع الصبر امرؤٌ قد ودّعك
 ذائع من سرّه ما استودعك
وعجبت لبعض الفقهاء يقولون عن زيارة المدينة ليست من مناسك الحج، ولكنها على اليقين من مناسك الإيمان، لأن حبه صلوات الله وسلامه عليه، بأبي هو وأمي، هو باب الهداية وثمرة الدين ومدخل الصراط المستقيم..

وعند ميقات ذي الحليفة على مشارف المدينة المنورة بدأت قصة العمر مع مناسك الحج، وكأنه الخروج من دار الدنيا إلى دار الآخرة، فالاغتسال والإحرام والتلبية إيذان بالتخلي عن مباهج الحياة الدنيا وزخرفها، والعودة إلى الفطرة الأولى حيث أخلاق رحمة الإسلام الشاملة التي يحرم فيها إسالة الدم، وتتساوى حرمة الروح بين القمل والطير والحيوان والإنسان..
وعلى طريق الأربعمائة كلمتر بين المدينة المنورة ومكة لمكرمة، كنت أتلمس معالم طريق الهجرة، وهناك مدينة كبيرة عند البئر التي ما زالت جارية إلى اليوم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفل فيها، يسمونها بئر "الدفله"، أمّا أم معبد فقد أصبحت قبيلة كبيرة ينتسب لها آلاف الرجال يعرفون ب"المعبّدي"..
وبعد التنعيم اشرأبت الأعناق لرؤية البيت العتيق، وهيهات فالمكان المقدس حجبه "برج الساعة" ومجمعات من الفنادق الشاهقة التي أراد بها القائمون على الأمر تيسير السكن للحجاج قرب المسجد الحرام، ولكنها بنظري المتواضع أفسدت رهبة القدوم إلى الكعبة المشرفة، ولو أن القائمين على خدمة الحرمين أعادوا النظر، لكان الأولى أن تسوى جميع الجبال حول الحرم، ويتم إبعاد هذه الأبراج الشاهقة التي تغطيه مسافة كلومترات، ويعاد معمار المنطقة بحيث تكون الكعبة أول ما يشاهده القادم، وفي القطارات السريعة ومتروهات الأنفاق مندوحة عن هذا التكدس الذي يشوه جلال المكان..
ومن مشاهد الحج التي يحس فيها المرء بانكشاف الحجب بين العبد وربه لحظة تسلم نفسك لموجات الطائفين بالبيت العتيق، فقد أصبحت تسير عكس عقارب الساعة، والسقف المفتوح في صحن الكعبة يشعرك أنك في مواجهة رب العالمين بكل جلاله وكماله، وأنت بكل ضعفك وصَغارك أمام علّام الغيوب قد انكشفت سوءاتك، لا يسترك إلا عفوه الجميل...
أما مشهد العرض يوم القيامة ففي يوم الحج الأكبر على صعيد عرفات، ولو قدّر لك أن تسير على قدميك بين الملايين التي تفيض من المكان بعد الغروب، وأصوات الدعاء والتلبية والتكبير تملأ عنان السماء، فإنك ستشعر بمعنى أن الله تعالى يباهي بأهل عرفة ملائكته في السماء..
وهنا لا بد أن أعبّر عن جليل الامتنان الذي يشعر به المسلمون الذين جاءوا من كل فج عميق، تجاه خادم الحرمين الشريفين وعائلة آل سعود المباركة التي وفقها الله للقيام بجهود جبارة لتنظيم هذا المؤتمر الديني الذي لا نظير له عبر العالم، فمئات آلاف العاملين في تأمين الحجاج، وعشرات الشوارع الفسيحة التي تحفها الحمامات ومياه الشرب، ومروحيات التهوية والتبريد في كل مكان، وأنظمة التفويج التي تراقبها الكاميرات والطائرات..كل هذا يسّر على الناس أمرا كان عسيرا..
وفي مكة المكرمة ما زلت تسمع عن الحجون وكداء ...وهي مواضع حفظها الشعر وكتب التاريخ، وفي أحيائها القديمة بعض الشوارع الضيقة والمنحدرات الشديدة، وعندما تمر من هنا فإنك ستعرف معنى "أهل مكة أدري بشعابها"
 وفي حرارة هذه البلاد الشديدة ومناخها القاسي دليل على أن الصحراء تنبت الأنبياء، وكأنما حرارة الإيمان وحدها هي ما يمكن أن يوازن قيظ الصحراء، وتلك قصة الحضارة التي أكدها ابن خلدون وغيره من أن الدعوة الدينية تسمو بالعصبية القبلية، وتزوّد العمران البشري بدماء جديدة كلما أنهكه الترف..
ومن الأماني التي حال دونها التعجّل وبعض التوعّك والحمّى، زيارة مهبط الوحي في غار حراء، ومن الخواطر البدعية التي عرضت  لي أن الناس لم يعطوا لهذا المكان الذي شهد أول عناق بين الغيب والشهادة ما يليق به من التبجيل، وعجبت لقوم يطلبون ليلة القدر شهرا كاملا وهي ظرف زماني لنزول الوحي، ولا يخصون مكان التحنث الأول وبداية الوحي بما يليق من التكريم..
ولا بدّ لي قبل أن أطوي الكلام، وللحديث تتمة إن كان في العمر بقية، أن أكرر الطلب إلى الأسرة المباركة التي شرفها الله بخدمة الحرمين أن تعيد النظر في عمارة هذه البقاع المقدسة، بما يعيد لها رونق التاريخ ويحيي الآثار ويعتمد استراتيجية للسياحة الدينية، وخصوصا في ظل رؤية المملكة 2030 التي يتحدثون عنها اليوم..
ولقد دعوت الله أن يحفظ تلك البلاد وينقذها من المكائد التي يحيكها أعداء الأمة للنيل من بيضة الإسلام، ورجوته أن يمنّ عليها وعلى بلادنا وبلاد المسلمين بالأمن والأمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه..
وإن كان لي من نصيحة لمن ينوي الحج؛ فهي المبادرة في سنّ مبكرة، لأن القدرة البدنية مطلوبة في أداء المناسك تماما كالقدرة المالية، ومهما قلنا في تيسير الحج فما زال فيه من المشقة ما لا يقاومه إلا الأبدان القوية..ولا أظن أحدا يزور تلك الديار إلا وأصبح كل همه العودة إليها..
وقد ودعنا مطار جدة ونحن نقول مع صاحب الموشّح الأندلسي:
 جادك الغيث إذا الغيث هما
 يا زمان الوصل بالأندلس
 لم يكن وصلك إلا حلما
 في الكرى أو خلسة المختلس
تقبّل الله منّا ومنكم
 محمد محمود ولد سيدي يحي



الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

حرب المجنون على القوي! "مقالات في الحرب والاستراتيجية" للمقدم محمد المختار ولد بيّه




قراءة: محمد محمود ولد سيدي يحي


"..لأننا لسنا عباقرة، ولأننا ندرك حدود قدراتنا وجسامة المهامّ الملقاة على عواتقنا كقادة في جيش يتحمل أعظم وأشرف المسؤوليات وهي الدفاع عن الوطن، يتوجب علينا بذل ما أمكننا من جهد للارتقاء بمعارفنا وقدراتنا الذهنية والبدنية للاضطلاع بتلك المهمة النبيلة"
بهذا التواضع الجمّ استهل المقدّم محمد المختار ولد بيّه كتابه "مقالات في الحرب والاستيراتيجية" الذي صدر مؤخرا عن مكتبة القرنين في نواكشوط.
ورغم أن العنوان متواضع "مقالات.."، إلا أن المواضيع التي تناولها الكتاب شملت أهمّ الإشكاليات التي تثيرها ظاهرة الحرب، بدءا بتعريفها ومرورا بأسبابها و استراتيجياتها وانتهاء بأشكالها المعاصرة مثل الحرب النفسية والحرب على الإرهاب أو ما يسمى الحرب "الاسيمترية".
ويحدّد المؤلف مجال حديثه قائلا "إن ما نحن بصدد تناوله هو دراسة مفهوم الحرب بماهي تعبير عن علاقة ذات سمات عنيفة بين كيانين سياسيين أو أكثر، وهذا ما يستبعد مختلف أشكال النزاعات الأخرى"
 ويعرّف الحرب بأنها "قتال مسلح بين الدول يهدف إلى تحقيق أغراض سياسية أو قانونية أو اقتصادية"
وبعد أن عرض المؤلف ويلات الحرب ومساوئها التي لا تحصى، خلص بالقول: "وفي المطلق تظل الحرب شكلا من أشكال العلاقات الدولية عنيفا  بلا شك ولكنه دارج رغم كل الدعوات إلى نبذه وإحلال آليات التفاوض والاحتكام إلى القوانين الدولية بدل تحكيم السلاح، ورغم معاهدات السلام التي تعدّ بالآلاف نقول مع "بوتول":
 "إن الإنسان لا يتغير والحرب هي هي، وإن كان السلاح النووي قد قلّص سلطانها نوعا ما، فقد ترك مع ذلك مناطق ذات تربة خصبة لحروب العصابات والنزاعات المحدودة التي أسفرت عن نشوب 146 حربا صغيرة عاثت في الأرض فسادا منذ 1945 وأزهقت أرواح 30 مليون إنسان بشكل غير معلن..وفي إفريقيا تفيد دراسة بعنوان "مليارات إفريقيا الضائعة" أن النزاعات المسلحة شملت من 1990 إلى 2005 ثلاثة وعشرين بلدا وكلفت القارة 300مليار من الدولارات عدا الخسائر البشرية"
وفي تحليله لمفهوم الحرب عند الجنرال الألماني  "كلاوزوفيتس" عاد المؤلف إلى تعريف الحرب بأنها "فعل عنيف يهدف إلى إرغام الخصم على تنفيذ إرادتناّ" ولا تقوم الحرب إذن صدفة ولكنها تقوم لأسباب لا يمكن أن تكون إلا سياسية، فالحرب مواصلة للسياسة بوسائل أخرى... ورغم الصور العديدة الممكنة فإن توقف العدوّ عن القتال مستسلما أو طالبا وقف المعارك هو التعبير الأكثر وضوحا عن انتصارنا"
ويوضح المؤلف مستويات الاستيراتيجية العسكرية بعد تحليل تاريخي بالقول "يحدّد المستوى السياسي الغايات والخصوم ولكن نتائج المجابهة الميدانية على المستوى التكتيكي بنجاحاتها وإخفاقاتها هي التي على ضوئها وبدرجة كبيرة يأخذ المستوى العملياتي شكله ويضع خططه، وبالتالي يؤثر على المستوى الاستيراتيجي العسكري الذي يجعل المستوى السياسي يغيّر أو يتابع أو يعيد ترتيب أهدافه"
وقدّم المؤلف أمثلة للاستيراتيجيات والمدارس العسكرية، مثل المدرسة البحرية البريطانية التي تعتمد الاستيراتيجية غير المباشرة، على نقيض المدرسة الألمانية التي اشتهرت بالاستراتيجية المباشرة والهجوم الشامل والطابع العنيف، بينما تردّدت الاستراتيجية العسكرية الفرنسية بين تمجيد الدفاع و"القوى المعنوية" وأهمية الهجوم، وفي المدرسة الشرقية تميّز العرب المسلمون بالمزاوجة بين المجابهة والاحتواء واستخدام أسلوب الدعوة مع أهمية العقيدة الدينية التي تشحن المقاتل بروح التضحية وتحوّله إلى مجاهد في سبيل الله، وكأداة لهذه الاستراتيجية نجد تكتيكا يتميز بالسرعة والخفة والكر والفر على عادة العرب في الجاهلية، وبالنسبة للمدرسة الصينية تميل الاستراتيجية  إلى الأسلوب غير المباشر والاقتصاد في الخسائر وإعطاء الأهمية القصوى للاستخبارات.
 وقد ناقش المؤلف تأثير ظهور السلاح النووي على الاستيراتيجيات العسكرية اليوم، "حيث أصبح الردع أي فرض عدم اللجوء للقوة هو الصيغة الوحيدة المعقولة لاستعمال أسلحة الرعب"، رغم أن السلاح النووي لا يمنع من تفتت الدول ولا يحميها بل قد يكون عبئا عليها أحيانا.
ووضّح المؤلف تأثيرات ما بعد الحرب الباردة وانفراد أمريكا والحلف الأطلسي بالهيمنة العسكرية مما أدى لتراجع خطر الحروب الشاملة.
 وخصص المؤلف مقالا للحرب النفسية التي تمكّن من التسلل إلى جسم العدو والفتك به والفتّ من عزيمته، وذلك من خلال زرع الشكوك لديه في شرعية موقفه السياسي والأخلاقي، وتشكيكه في إمكانية نجاحه وبلوغ أهدافه، واستخدام الدعاية والإعلام في ذلك..
 وفي مقاله حول الحرب الأسيمترية يعالج المؤلف ظاهرة معاصرة هي ما يعرف بمحاربة الإرهاب و"هي الحرب التي تواجه فيها دولة بجيشها وقواها الأمنية المنظمة مقاتلين أدنى تسليحا وتنظيما يستخدمون نقاط ضعفها لإيذائها ما أمكنهم ذلك خدمة لأهداف غالبا ما تكون سياسية أو دينية، وتتضمن الحرب الأسيمترية أنماطا متنوعة من طرق العمل تتراوح بين العنف المحض إلى الدعاية ضد الخصم وحتى إلى المقاومة السلمية كالعصيان المدني والتظاهر والإضرابات.." وهو ما يسميه البعض حرب الضعيف على القوي أو حرب المجنون على القوي..
وتعتبر الحرب الأسيمترية شكلا جديدا متعاظما يفرض على الدول مراجعة سياساتها الدفاعية وعقائدها العسكرية، وتحتاج مقاومة هذا النوع من الحروب "تصوّرات متكاملة لنزع فتائل الأزمات والاحتقانات من حقول الاجتماع والاقتصاد والسياسة وغيرها من ميادين تنمو فيها بذور كل ما هو شاذ وخطير على أمن البلاد، فلا يكون آخر الدواء أوله، ويرافق ذلك التركيز على الأساليب الأكثر فاعلية في هذه الحرب وهي العمل الفكري والاستخباري المبدع أكثر مما تحتاج للدبابات أو الطائرات".
 وقد ختم المؤلف كتابه بملاحق تعيد متصفحه إلى المجال الثقافي الحضاري الذي ينتمي إليه؛ فمعركة الزلاقة بما تحمله من تراث المرابطين المجيد، ورسالة عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما حول أخلاق المجاهدين؛  كانت ملاحق جاء اختيارها مناسبا وأصيلا.
ويمكن القول إن المقدّم محمد المختار ولد بيّه استطاع بأسلوبه الواضح العميق عبر 180 صفحة من الحجم المتوسط أن يقرّب القارئ العادي من مفاهيم عسكرية وأمنية غاية في التخصص، وأن يعطي صورة ناصعة عن مستوى الكفاءة الذي يتمتع به طاقم التأطير والتكوين في المؤسسة العسكرية الوطنية، التي أصبحت خلال السنوات القليلة الماضية رقما مهمّا يحسب حسابه في المعادلة الإقليمية.

لقد ظلّ المخيال الشعبي الموريتاني يفصل ما بين السيف والقلم حيث يقال: "إن الناس لا يعيشون إلا في ظل كتاب أو ركاب"، وفي عصر ثورة المعلومات يبدو أن هذا الفصل لم يعد ممكنا لأن المعرفة أصبحت هي السلاح الأول في يد الإنسان.

الخميس، 18 يوليو 2013

صوم العوامّ !

صوم العوامّ !

 محمد محمود ولد سيدي يحي


اعلم وفقك الله لصيام هذا الشهر وقيامه أن صوم العوامّ عندنا مظنة الأجر والثواب إن شاء الله، لأن الأصل في الصيام هو المشقة وهؤلاء أمة مخصوصة بصنوف المشقات النفسية والبدنية في هذا الشهر وغيره.

 ولا داعي هنا لذكر ما يعانيه صغار الموظفين والعمال البسطاء وعامة الموريتانيين من مشاكل اقتصادية في الشهر الذي أصبح عنوانا للاستهلاك بعد أن أراده الشارع الحكيم موسما للزهد والتقشف.

وأكثر المشقات عنتا في الشهر العظيم اختلال برامج النوم والسهر الاضطراري، وخصوصا لأهل الأعمال والأشغال ومن لا يملكون فرصة القران بين الصوم والنوم، وهي فسحة اختص الله بها أهل البطالة والفراغ، على ما فيها من تضييع الصلوات والإخلال بالمعاني الدينية للشهر الفضيل والعياذ بالله.

ومنهم من يرى أن عظيم أجر هذا الشهر الفضيل على مشقتين خفيتا على الناس؛ أولاهما عرق يتصبب عند الإفطار فيذهب عن الصائم فرحته بانقضاء يومه والتحلل من صومه، والمشقة الثانية ذلك الاستيقاظ الضروري لتناول أكلة السحور لأنه على ما فيه من البركة ثقيل على نفوس من لم يتعودوا قيام الليل وصلاة الفجر في الجماعة وما أكثرهم.

ومن المشقات التي لا يتحملها إلا من جعل الله قرة أعينهم في الصلاة، صلاة التراويح وما أدراك ما صلاة التروايح؛ فشقاء بعضنا معشر العوام ببعض الأئمة ممن يطيلون القراءة ويراعون الأمداد الطويلة ومخارج الحروف يفوّت علي كثيرين نعمة الاستماع لكلام الله، فإذا اجتمعت شدة الحر وضيق المساجد مع إطالة الإمام فإن الضجر يحل محل التدبر والتفكر عافانا الله وإياكم.

 ومن أئمة التراويح طائفة بكاؤون على مذهب بعض أهل المشرق لا يراعون في دمعهم وخنينهم ما بين آيات الوعد والوعيد، ولهؤلاء مريدون وزبناء يهاجرون إليهم من أقاصي المدينة يبكون ويتباكون، وهم بلاء عظيم لمن جمعه الله بهم ممن أصابه داء قسوة القلب وهو مرض عمت به البلوى عصمنا الله وإياكم.

ولعل من المصائب التي تكاد تذهب بأجور الفقراء والعوام في هذا الشهر ما يشغلهم في عشره الأواخر وهي موسم الحصاد في عبادة الصوم، فهي تمر عليهم سراعا على جمر الاستعداد لعيد الفطر ومتطلباته الاجتماعية التي تنوء بها كواهلهم.

ولو أننا معشر العوام صرفنا النية الخالصة في مشقات الصوم ومجاهداته الكثيرة تقربا إلى الله تعالى لكان أجرنا مضاعفا إن شاء الله، وعزاؤنا الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"


رزقنا الله وإياكم إخلاص النية في جميع الأعمال والأقوال، وجعلنا وإياكم ممن صام هذا الشهر إيمانا واحتسابا فغفر له ما تقدم من ذنبه إنه سميع مجيب.

الخميس، 11 يوليو 2013


حب المساكين

محمد محمود ولد سيدي يحي


من طرائف أقوال ابن حزم الأندلسي في كتابه البديع "طوق الحمامة في الألفة والألّاف" تأكيده أن الحبّ والكره عواطف اضطرارية لا شعورية ومن ثم فإن الأحكام الشرعية كالوجوب والمنع والحلية والتحريم لا تتعلق بها.
ويستأنس الفقيه الظاهري في ذلك بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عدله بين نسائه في الأمور الظاهرة واعتذاره عن ميل قلبه إلى عائشة من بينهن بقوله "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك".
ورغم أن حب الله ورسوله شرط في الإيمان كما تضافرت على ذلك النصوص المتكاثرة، إلا أن حقيقة الحب هنا ليس ذلك الميل القلبي الاضطراري  المرتبط بالعاطفة وإنما هو حب عقلي مبني على الاقتناع  ويقتضيه التعظيم، والمعروف أن التصديق الديني بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم متلازم مع التعظيم والإعجاب الذي يثمر الاقتداء والمتابعة.
 وإذا كان المتصوفة قد جعلوا من الحب الإلهي طريقهم للترقي في مقامات اليقين، فإن حب الضعفاء والمساكين ظل مرتبطا بالزهد والتواضع وروح الإحسان، ومن هنا فإنه لم ينل من الاهتمام ما نالته أنواع الحب الأخرى.
 ويسود لدى الغربيين وأبناء الحضارة المسيحية اعتقاد أن الشعوب الشرقية عالة في الحب على التصوف، ويتهمون العرب رغم ما سطره شعراؤهم من غزل عذري وغيره من المقدمات الطللية، يتهمونهم بالجلافة وجفاف العاطفة، ويستشهدون بمقولة عمر بن الخطاب المشهورة للرجل الذي جاء يشكو جفاء زوجته "إنما يأسى على الحب النساء".
صحيح أن حب الشهوة والرغبة الذي يكون بين الجنسين من طبائع البشر كما قال ابن حزم ولكن أنواع الحب الأخرى تحمل معان مختلفة ولعلها مرتبطة بدرجة الحساسية العاطفية التي تختلف بين الأفراد.
ويستدل علماء النفس المعاصرون على التعاطف الفطري بين البشر بالاستجابة الفورية التي تحدث لدى الأطفال عندما يشاهدون أترابهم يبكون، ومن هنا فإن حالة الرثاء لحال الضعفاء والمظلومين طبيعية في بني آدم بغضّ النظر عن اللون واللغة والدين، وهي عاطفة إنسانية لا تضعف في نظر المختصين إلا لدى الأشخاص الذين عاشوا جفافا عاطفيا في تربيتهم منذ الصغر ولم يشبعوا من حنان الأبوين التلقائي بسبب التفكك الأسري أو الاضطهاد و فقد العائل.
ولا ينفي بعض المحللين الغرض المادي عن حب البشر لبعضهم وخصوصا منه ما كان شفقة، لأن دافعه عندهم هو الحرص على الذات والخوف عليها من معاناة آلام مشابهة.
وقد وصل التطرف ببعض اليساريين الماديين إلى اعتبار الحب ترفا بورجوازيا رغم أن دافعهم لهذا القول هو الحمية للفقراء والكادحين.
وربما دفع هؤلاء إلى موقفهم الجاف يأسهم من حب الفقراء والمحتاجين لأن النفس البشرية مولعة بحب العظماء والناجحين ميالة إلى ازدراء المهمشين ومن يعيشون في أحوال رثة.
 ولاشك في أن سوق الحب في غالبها مادية المعايير ولو قمنا باستطلاع بين الفتيات حول سمات فتى الأحلام المحبوب لكان المال والسيارة الفارهة والمسكن الفسيح من أول المعطيات التي تجمع عليها الأغلبية الساحقة.
وحدهم السياسيون ملزمون بالتنافس في التعبير عن حبهم للفقراء والمساكين لأن هؤلاء غالبية المصوتين وخصوصا في البلدان الأكثر فقرا، ولكن البون يظل شاسعا في كثير من الأحيان بين من يقدم دليلا على حبه وبين مزاعم الحبّ الجوانية التي لا تتجاوز التعبير اللفظي أو الأغراض الانتخابية.
ولا جدال في أن حب المستضعفين ليس من الأنواع التي تدخل في باب الحب الذي لا يتأتى أجره إلا بالكتمان كما في الأثر الذي اختلف فيه المحدثون"من أحب فكتم فمات فهو شهيد" وقد نظمه أبو نواس في سنده المكذوب حينما قال:
 ولقد كنا روينا
عن سعيد عن قتاده
عن سعيد بن المسيّب
 أن سعد بن عباده
قال من مات محباّ
 فله أجر شهادة
ويمثل شهر الصيام بمعانيه الرفيعة في التعالي على الشهوات موسما إنسانيا للتعاطف مع الضعفاء والمهمشين والمظلومين، ومن هنا فإن ثلاثية الصيام والقيام والإطعام من مظاهر الشهر الكريم..
ولا يعني حب المساكين والفقراء في المفهوم الديني والإنساني الصحيح مجرد تعاطف أوشفقة ينتج عنها إحسان عابر، وإنما يضيف حبا حقيقيا كما في الحديث "أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ومن هنا فإن الاتجاه المطلوب في شهرالصيام ليس  مجرد تخفيف المعاناة وإنما السعي إلى  تغيير ظروف هؤلاء وإشراكهم في خيرات طالما استأثرت بها ثلة قليلة من دونهم.
لقد آن لحب المساكين أن يكون توجها عاما ليس لبرامج الدولة فقط وإنما لاستثمارت رجال الأعمال، ولعل من المخزي أن يكون إنفاقنا على السياسة ومواسمها أكبر من إنفاقنا على الكوارث والمحن التي يمر بها المساكين والمهمشون.
ويكفي من الفضائح أن يكون العمل الخيري غائبا عن اهتمامات أثريائنا بينما تسرح وتمرح تحت شعاره منظمات وهيئات من جميع البلدان ومختلف الأديان، تحت مسميات وأغراض لا يعلمها إلا الله.
ولو كان حب المساكين أمرا سهلا لما جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه حيث قال: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وإذا أردت فتنة عبادك أن تقبضني إليك غير مفتون"
رزقني الله وإياكم حب المساكين والحمية للمستضعفين، في شهر الصيام وخارجه إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.