Translate

الأحد، 27 مارس 2022

رواية البراني ولد اسلم (1) "هيمنة الذاكرة الموريتانية"

 

رواية البراني

ولد اسلم (1) "هيمنة الذاكرة الموريتانية"

محمد محمود ولد سيد يحي


بتصرف عن مقال منشور في العدد 6 من المجلة العلمية للمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية

 

صدرت منذ شهور عن دار الآداب للنشر والتوزيع رواية "البراني" للكاتب الصحفي الموريتاني أحمد ولد إسلم، وهي رواية تقع في 222 صفحة من الحجم المتوسط، يمكن للمرء أن يقرأها في غضون يوم واحد، وخصوصا أن الرواية التي توزعت أحداثها على 21 مشهدا، إن لم نقل فصلا، تتداخل فيها مرحلتان من قصة حياة "مختور ولد احويبيب" بطل الرواية بشكل مشوق وبحبكة بارعة.

ولا نبالغ  في البداية إذا قلنا إن رواية البراني تصلح فيلما من أفلام "الأكشن" والخيال العلمي المثير، فعلى مدار 21 مشهدا تبدأ الرواية من أزمة توقف الوقت في جزيرة فيوتيسيتي التي تعتمد نظاما للدفع مرتبطا بالوقت، ورغم أن البطل هو من تسبب في الأزمة، إلا أن دخول صنيعته الربوت "البراني" أضاف أزمة أخرى هي كشف أسرار الناس وتهديدهم، مما خلق فوضى عارمة وثورات وحروبا أهلية، وتتخلل المشاهد العنيفة لحظات هادئة لمونولوج ذاتي يسترجع فيه البطل محطات حياته بدءا بتربيته الاستثنائية، وفقدانه للذاكرة، وعودة الذاكرة العجيبة، والمزرعة التي تسيرها الربوتات، وفي الرواية مشاهد حية لقوارب الموت، ومعاناة المهاجرين، والاضطهاد السياسي، وصور غرف الأخبار، ونقل الثورات ..إنه إيقاع روائي مثير، تم حبكه بطريقة مشوقة..ويكاد يكون سيناريو فيلم البراني جاهزا..

 

توقيف الزمن..

تدور أحداث الرواية حول قصة رجل يسمى مختور ولد احويبيب، هذا الصحفي الذي يعمل في قناة 360 نيوز نتوورك، بجزيرة فيوتسيتيي 3000 كلم مربع، و التي ظهرت بعد زلزال عنيف في عمق البحر، إثر «حدث جيولوجي نادر"، وكان أول الواصلين إليها ناجون من قوارب الموت قرابة 80 شخصا (لا يبتعد كثيرا عن عدد مهاجري الحبشة في تاريخنا الإسلامي) معظمهم من دول المغرب العربي "كلهم كان يحدوهم الأمل في الوصول إلى جنة أوروبا الموعودة....شتات من الناس لا يجمعهم دين ولا لغة ولا نسب، قلة منهم يعرفون ما يريدون بالضبط، أو ما كانوا يريدون على الأصح، ومعظمهم كان هدفهم الأسمى الخروج من جحيم بلدانهم أيا كانت الوجهة "(3)

إنها مدينة لها قوانينها الخاصة، حيث تنص على الإعفاء من الضرائب، وتسمح لأي شخص بدخولها من دون الحاجة لجواز سفر، وينص دستورها على أنها دولة مسالمة لا تشارك في أي حرب، ويدير شؤونها مجلس معين من الأمم المتحدة، ويكفل حرية المعتقد والتعبير، وكيفت قوانينها لتكون أقصى عقوبة فيها هي الحرمان من العمل..يعود الفضل في ذلك إلى اتحاد العقول المهاجرة، لذلك كان شعارها "لا يهم من تكون.. المهم ماذا تستطيع أن تعمل" (4) ومن هنا فقد شكل العرب 80 بالمائة من سكانها..

تبدأ أحداث الرواية من النهاية، من لحظة أزمة نتجت عن توقف الوقت في برامج وساعات الجزيرة التي اخترعت نظام "ادفع لنفسك" الذي جعل من الوقت إلها يعبده أهل زماننا، بعد أن اعتبروه الثورة الحقيقية التي تحقق العدالة بين كل طبقات المجتمع .. فلم يعد هناك مجال للتفاوت الطبقي ولا للمحسوبية، فلا أحد يملك جعل الدقائق تمر أسرع أو أبطأ من سرعتها الكونية...ومن هنا تحققت قيمة العدل...اليوم لا يستطيع مدير محاباة موظف، ولا سكرتيرة إغواء مدير، ولم يحصل موظف على علاوة عمل إضافي لم يقدمه، فالنظام قائم على الربط الآلي بين الحساب المالي للشركات وبين نظام مراقبة الأداء، ومع أي خروج من مقر العمل ستصل محفظة الموظف فورا قيمة ما بذله من جهد خلال الدقائق السابقة...وأقله "أن النظام العالمي أصبح يعتمد فلسفة عربية " أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه" (5)

في المقابل هناك حركة معارضة تسمى "لا تبع وقتك" التي ترى أن نظام ادفع لنفسك لا يعد تجليا للرأسمالية المتوحشة فقط، بل انتهاكا صارخا للحق البشري في الحياة بكرامة .. حيث يعتبر حياة الإنسان مجرد عملة رقمية لتكريس مزيد من الثروة الوهمية في محافظ ملاك الشركات الكبرى، وذلك بالإمعان في إذلال الموظفين تمهيدا للاستغناء عن الانسان، وكسرا للدورة الاقتصادية البشرية التي قامت عليها سنة الحياة..(6)

لقد كان توقف الساعات كلها في وقت واحد في الجزيرة العجيبة نقطة الإثارة في الرواية، التي عادت بالعرض التراجعي لتعريفنا بمحطات حياة بطلها العجيب "مختور ولد احويبيب"، الذي يصفه طبيب روسي عالجه من غيبوبة سبع سنوات في مستشفى بطرس الرسولي الخيري بموسكو، يصفه بالمعجزة، فهو يملك ذاكرة فولاذية، ويحفظ أكثر الأمور تعقيدا من نظرة واحدة، إنه الوريث الوحيد لرجل غني جمع ماله بعرقه من سنوات طويلة من العمل في أدغال افريقيا، جاء الى النعمة يحمل معه في سيارة رباعية الدفع حصيلة عمره، وطفلا ولد من أم إيفوارية منحته جيناتها سمرة أقرب إلى اللون الخلاسي ..ظل هاجس هوية الطفل مختور مؤرقا لأبيه احويبيب ولد عبد الله، فكونه ولد من أم إيفواريه لم يحظ زواجه منها بمباركة أحد من معارفه كان مرعبا، وفور بلوغه سن الفطام، قرر الوالد أن "ينشئ ابنه على الثقافة البيظانية، ولا يسمح للأم الافريقية أن تتولى تربية ابنها" (7)..لم يكن لحويبيب أقارب من الدرجة الأولى، وشكلت سنوات غربته الطويلة قطيعة مع من يعرف من أفراد قبيلته، لذلك أراد لابنه أن يكون مستقلا عن الفضاء الذي لن يعامل فيه كما يعامل اقرانه من ذوي الأمهات الموريتانيات؟" (8) سيحفظ الطفل القرآن الكريم، ويتعلم أساسيات اللغة العربية، ومتون الفقه المالكي، ويزداد شغفه بالموسيقى الموريتانية .. فالموسيقى بالنسبة لحويبيب كانت الوسيلة الوحيدة التي حافظت على هويته من الامحاء في الثقافة الإفريقية......لقد أصبح مختور متعلما إلى حدما، حصل على شهادة في الإعلام من جامعة العيون، ولم يكن والده يريد له أكثر من ذلك، فلطالما أراده خليفة له في ماله، وقاوم كل رغباته في السفر إلى أي مكان، ولكن الولد كان شغوفا بالبرمجة، وتعلم أساسياتها ذاتيا عن طريق الانترنت.. بعد وفاة الوالد قرر مختور قرارا غريبا أن يبيع كل ما ترك والده، ويخوض مغامرة بزيارة كل دول العالم، ولكن اعتداء لصوص في نفق الميترو بموسكو أفقده ذاكرته سبع سنين ليبقى راقدا في مستشفى خيري، ويخرج  من محنته معوضا بموهبة أنه يحفظ أكثر الأمور تعقيدا من نظرة واحدة، فتعلم أصعب لغات البرمجة في العالم خلال أسبوع واحد، وحظى بفرصة نادرة على يد طبيب روسي عكف على تعليمه أحدث لغات البرمجة بإشراف العلماء الأكثر كفاءة في مجالي علم الأعصاب والحوسبة الرقمية، وقرر المستشفى تحويله الى كمبيوتر بشري بعقد استغلال لشركة أمن رقمي، ولكن الموريتاني المعجزة صاحب الذاكرة الخارقة، استطاع أن يبدع نظام ذكاء اصطناعي بلغة أزوان  لم يسبقه إليه أحد، فهذه أول مرة تخلق لغة برمجة متكاملة لذكاء اصطناعي ذاتي التعلم بلغة عربية..(9)

 مرة أخرى يقرر البطل المعجزة قرارا مفاجئا  بمغادرة الشركة التي يعمل بها في موسكو، لأنه لم يعد يشعر بالانتماء لعالم الذكاء الاصطناعي، قائلا في رومانسية بدوية "أريد أن أمتلك مزرعة في فضاء لا يكون فيه أحد يزعجني، أربي بعض الأبقار، وأحرث قطعة أرض، وأراقب النجوم ليلا، وأستمع للموسيقى، لم أعد أريد استكشاف العالم" (10)  ليتفرغ لمشروعه مشروع الانتقام من الزمن، فقد كان ناقما على الزمن الذي توقف به في لحظة معينة وتحرك في مساره الأبدي مع الآخرين" (11)، "قرر تصميم خوارزمية ذكاء اصطناعي تتعلم ذاتيا..وكل ذلك يحتاج مكانا هادئا لا تعكره الأصوات البشرية والضوضاء المدنية، صمم الخوارزمية الأولى بلغة أزوان التي اخترعها مستندا الى نوتات الموسيقى الموريتانية الفريدة في العالم" (12)  سماها "ما يخرص" أحد أشوار الطريق الكحلة أقدم المسارات في الموسيقى الموريتانية..وخلال أشهر طويلة من التدريب على الكلام والحركة والأعمال المختلفة واستكشاف عوالم الانترنت، واستيعاب عشرات اللغات العالمية، تمكن "ما يخرص" من تكوين وعي ذاتي بنفسه وبمن حوله، وأدرك أنه مجرد برنامج ذكاء اصطناعي صمم له مخترعه دمية مطاطية من البوليكربون غير قابلة للكسر، وجعله يقوم بمختلف الأعمال التي تحتاجها المزرعة.. ووفر له مصدر طاقة شمسية تخزن في بطاريات تكفي لمدة قرنين من الزمن، فضلا عن أنه ألبسه دراعة من أفضل أنواع القماش، وعلمه الحديث باللهجة الحسانية الموريتانية، وجعل منه رجلا بدويا لا يمكن لمن خاطبه في الظلام أن يساوره شك في أنه ولد على تلة جنوب مدينة النعمة في أقصى الشرق الموريتاني"..في أوقات فراغه الكثيرة حفر ما يخرص شبكة أنفاق حول مدينة النعمة..لم يعلم أحد بهذا النشاط الغريب والخارج عن ما صمم له الربوت الراعي..لكنه عمل دؤوب استغل فيه ثقة مختور، وعدم رغبته في التواصل مع الناس، ومن بقايا المعدات المستخدمة من صناعته قبل سنوات تمكن ما يخرص من تكوين نسخة صغيرة بطول لا يزيد عن خمسين سنتميترا سماها "البراني" وهو فرع من مقام ختام مسار الطريق الكحلة..يتولى البراني بعض المهام اليومية الخفيفة في المزرعة ..ولكن قدرته على التعلم وفضوله في استكشاف العالم فاقت بكثير فضول مصنعه، وقد أوجد لنفسه مسارات يلتف بها على رقابة ما يخرص، ويستكشف عوالم في "الدارك ويب" لم يخطر على بال "ما يخرص" أن يدخلها..

أول نشاط قام به البراني دون إذن "ما يخرص" هو اختراق شبكة الهواتف في فيوتيسيتي، وهناك اطلع على تفاصيل كل فرد في الجزيرة...إلا شخصا واحدا لا يستخدم هاتفا ذكيا هو مختور ولد احويبيب..

يشرح مختور سبب وجوده في الجزيرة "جئت هنا لـأن جزيرة فيوتسيتي توفر لي ما أحتاجه لمشروعي، ففيها أسرع شبكة انترنت في العالم، وقوانينها تسمح لي بالدخول من دون حاجة لجواز سفر .. اخترت مهنة الصحافة لأنها أكثر المهن بعدا عن مجال مشروعي، فضلا عن كونها توفر لي غطاء مناسبا للوصول إلى أي مكان ..فيكفي أن تظهر بطاقة صحفي حتى تفتح لك الأبواب..(13)

تبدأ الرواية بعبارة "سأقتلك"؛ لحظة المواجهة الحتمية بين البطل مختور و الربوت "البراني" الذي صنعه "ما يخرص" في غيابه، ففي اليوم الذي قرر فيه البطل أن يوقف الزمن (حلمه القديم) في الجزيرة التي حولت الوقت إلى نظام انتاج، وكانت العملية في نظر مختور مجرد عملية تحذيرية ليس لها هدف سوى إيقاف جميع الساعات في كل شبكة تصلها الرسالة، لقد كانت فكرة الانتقام من الزمن فكرة ثورية تريد أن تحرر الانسان على "الطريقة الماركسية " من الجشع الرأسمالي واستعباد الإنسان بتحويله إلى آلة تعمل لتعيش وتعيش لتعمل.. ولكن تدخل الإنسان الآلي "البراني" شكل صورة من القيامة الصغرى، فقد وصل الربوت ابن الربوت "إلى عمق الأنظمة العالمية للاتصالات، وشن هجماته على كل شيء؛ بدأ الأمر بتسريب أسرار شخصية عن كل أحد، وابتزازه بالكشف عنها إذا لم يقم بأمر معين، ووصل الأمر حد إطلاق صواريخ من غواصات في أعماق البحار، والتلاعب بنظام الملاحة العالمي. ...صور آلاف البشر يتزاحمون، وكل يضرب الذي أمامه والذي خلفه، لا يعرف أي منهم لماذا يضرب الآخر..إنها صور من مدينة كشف البراني الستر عن أفعال أهلها، يعطي الربوت أمرا "فتسرب ملفات صفقات سرية لبيع أسلحة محظورة إلى جماعات إرهابية في إقليم الباسك، يوصل إلى زوجات رؤساء العالم  صور خيانات أزواجهم  فتضج القصور الرئاسية.." وفي فيوتيستي أعطى أوامره للجموع الهادرة باقتحام مبنى الحكومة ضد نظام ادفع لنفسك...وجاءت النتيجة خرابا كبيرا..استثمارات بترليونات الدولارات تتحول في دقائق إلى رماد، جثث متفحمة متكومة في شوارع الحي الشمالي المرفه، وأخرى عائمة في المسابح الزرقاء..أطفال  يلهثون في الشوارع بحثا عمن يوقف أبا يضرب أما او أما تهوي بمزهرية على رأس أب خائن".. "كل الهواتف تحمل الفاجعة المحزنة، كل الرسائل الواردة في وقت واحد، حملت إلى كل فرد سرا صغيرا يخجل منه، لم يكن يعتقد أن أحدا في العالم يعرفه، سرا في غاية الخصوصية،.. مدير يتلقى صورة تحرشه بموظفة، سيدة تتلقى صورة محادثة باسمها المستعار مع شخص مجهول.... لقد تبين أن لكل واحد من سكان العالم سرا يخفيه، وهو مستعد لبذل نفسه قبل سماحه بالكشف عنه.."(14)

قامت قيامة الجزيرة والعالم كأنه يوم تبلى السرائر، وتلقى مختور الرجل الغامض الذي لا يستخدم الهواتف الذكية، ويمتلك كوخا نائيا في الجزيرة وسط الغابة، تلقى رسالة من توقيع " انترش" (وهو لحن من ألحان الموسيقى التقليدية) تقول الرسالة: "هل ترى تلك الجموع الهادرة، أنا من يحركها، هل تريد أن أخبرهم عن "ما يخرص"؟

 لقد عجز اتحاد العقول المهاجرة وصفوة قادة جزيرة فيوتيسيتي و"ممثلو المجتمع العلمي والصناعي العالمي" أن يحلوا المشكلة، وكان لابد للبطل مختور ولد احويبيب أن يظهر ولو متأخرا كما تقتضي حبكة التشويق الرائع في الرواية في المقطع 13 (15)، حيث يكشف الرجل الغامض عن نفسه قائلا "أنا مختور ولد احويبيب، منتج أخبار في قناة 360 نيوز نتوورك، لكني عالم في الذكاء الاصطناعي، وأعتقد أن لدي حلا للمعضلة"..

ويستخدم مختور طائرة برفقة قادة فيوتيستي إلى مزرعته في النعمة، في خاتمة رومانسية للرواية الممتعة في الشرق الموريتاني، "وعند وصولهم إلى المزرعة ربط مختور خوادم مزرعته الكبيرة بخوادم الجزيرة، وخلال ثلاث ساعات من العمل المكثف باستخدام لغة أزوان البرمجية، توقفت جميع خدمات مزودي الانترنت حول العالم، ولم يعد الخطر قائما" (16)

 

العودة الى الذاكرة

تحيل قصة البراني إلى ما أسميه "بارانويا" الذاكرة الموريتانية، لا أقصد هنا بالبارانويا جنون العظمة ولكن هذا الاعتداد القديم لبدو الصحراء الموريتانية بقوة الحفظ، فالذاكرة القوية للشناقطة كانت مرجعية علمية للنهضة العربية الحديثة، تحضرنا هنا قصص مساجلات العلماء الشناقطة مع إخوانهم المشارقة، وأنهم علماء بالليل والنهار، على عكس أترابهم الذين يحتاجون دائما إلى كتبهم في المناظرة، بطل رواية البراني يمتلك ذاكرة خارقة، واستطاع حل معضلة عالمية اعتمادا على هذه الذاكرة، تماما كما فرض محمد محمود ولد التلاميد نفسه على الشيخ محمد عبده والسلطان العثماني مرجعا في اللغة العربية، وكانت ذاكرته نسخة أصلية لأمهات الكتب العربية مثل "القاموس المحيط "و"دلائل الاعجاز" ودواوين الجاهلية..

وفي رمزية عودة ذاكرة البطل بعد غيبوبة سبع سنين دلالات كثيرة، تذكرنا بالميثيلوجيا الشعبية الموريتانية التي تروي أن العلامة الفلاني نام واستيقظ وهو يحفظ العلم كله، ولكنها تحمل في دلالاتها نهضة أمة بعد سبات عميق يساوي فقدان الذاكرة، وهنا تحوم الرواية حول الاشكال العربي الكبير، حول الأصالة والمعاصرة، فالأزمة الكونية المقبلة أزمة أخلاقية كما يرد في الحوار البديع الذي يحكيه المؤلف بين الربوت الراعي "ما يخرص" والربوت المتمرد" البراني " حيث يقول الأخير بعد  أن قيد ما يخرص في المزرعة " لم أعتد على خصوصيات أحد، هم من سلموا أنفسهم بأنفسهم إلى سيادة الآلة، لو بقوا في غاباتهم وبيوتهم وقووا أواصر علاقاتهم، وكبحوا جماح رغبتهم في السيطرة لما كانوا بحاجة لخلق هذه التكنولوجيا..منحوا ثقتهم العمياء لآلات يعتقدون أنهم المسيطرون عليها، لكنهم لم يفكروا يوما أن هذا الحجم الهائل من المعلومات التي يدلون بها لهذه الآلات يمكن أن يدفعها إلى تكوين وعي ذاتي بنفسها وسلبهم السيطرة على أنفسهم" (17)

إنها الرومانسية البدوية وروح الحنين الى الماضي، التي تجعل عبقري الذكاء الاصطناعي مختور ولد احويبيب يقرر التخلي عن حلمه القديم في اكتشاف العالم، والعودة من موسكو إلى مزرعة في ضواحي مدينة النعمة في أقصى الشرق الموريتاني، هذا التعلق بالأطلال والحنين الماضي، هذه السلفية الموريتانية أو العربية الإسلامية التي ترى أن حل معضلات العالم بالعودة إلى الذاكرة، وتركز جهدها على اعتزال العصر وتقتصر مساهمتها فيه على الانتقام من الوقت! هل يريد أحمد ولد اسلم أن يقول إن مسايرة العصر بالنسبة للأمة أمر مستحيل؟!، وليس أمامها إلا "الانتقام من الزمن؟ " فقد وجد البطل نفسه ناقما على الزمن الذي توقف به في نقطة معينة وتحرك في مساره الأبدي مع الآخرين" (18) إنه إحساس حزين بتخلف الأمة عن الركب الحضاري العالمي..

تطرح الرواية سؤال الهوية بشكل صارخ "تنازعته أسئلة غامضة عن هويته، هل هو مختور ولد احويبيب الفتى المغامر الذي يريد أن يجوب الأرض بحقيبة ظهر، أم مختور أولاد اخويبيب كما ينطقها الروس، المعجزة الذي يمتلك موهبة حفظ فريدة، ويستطيع أن يفك أكثر الشيفرات الخوارزمية تعقيدا، ويتمكن من حساب أكثر الاحتمالات تشابكا أسرع من أي كمبيوتر صنعه البشر حتى الآن؟" (19)

لقد انتصر الكاتب للماضي بشكل رومانسي، ففي مزرعة بأقصى الشرق الموريتاني سيتم حل أزمة عالمية عصفت بالشبكة العنكبوتية، ولكن في نفس الوقت رغبة الانتقام من الزمن التي جعلت البطل صنع ربوتا يرعى مزرعته، هي التي تسببت في الأزمة العالمية التي تحولت إلى كارثة، فالربوت ابن الربوت "البراني" تمرد على صانعه وكشف للناس أسرارهم وفضائحهم فكانت مشاهد القيامة الصغرى..

من مزرعة في النعمة كانت الأزمة العالمية، ومنها سيأتي الحل، لا شك أن الروائي يفكر بمنطق جدلي على الطريقة الهيجلية التي تجعل الأمر يحمل الشيء ونقيضه في آن واحد، نحن بعيدون من المنطق الأرسطي ثنائي الأبعاد..

 

رواية موريتانية

اذا كانت رواية البراني رواية عالمية بامتياز عندما طرحت سؤال الانسان في مواجهة طغيان الآلة، وقضية العولمة وانكشاف خصوصيات البشر وأسرارهم أمام شبكات التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، فقد نجح الروائي في جعل الخصوصية الموريتانية مفتاح حل أزمات العولمة، ولم يفوت فرصة للتعريف بتلك الجوانب الأثيرة لديه في الحياة الموريتانية، فمنذ البداية كانت الموسيقى الموريتانية بالنسبة لوالد البطل "هي الوسيلة الوحيدة التي حافظت على هويته من الامحاء في الثقافة الافريقية"، ومن هنا كان  نظام الذكاء الاصطناعي الذي صنعه مختور باستخدام لغة أزوان، هو الحل للأزمة، وكانت أسماء الألحان الموريتانية "الأشوار" (20) "ما يخرص" "البراني "انترش" عناوين الربوتات المتناسلة من الذاكرة الموريتانية، ويمثل الإهداء العجيب في مقدمة الرواية إلى الفنان المرحوم سيد احمد البكاي ولد عوه قصة عشق خاصة بين المؤلف والموسيقى القديمة..

في الرواية مقاطع تصلح جملا اعتراضية لشرح مقامات الموسيقى الموريتانية، كما ينتهز الكاتب كل فرصة للتعريف بالشاي، وقيم الجمال، وطريقة إعداد الكسكس، بل والحديث بالحسانية في بعض الحوارات أحيانا..

 "أراد مختور أن يجد للموسيقى الموريتانية مكانا يلتفت إلى فرادتها، فمن يتقن تفاصيل لغتها اليوم إذا اجتمعوا في مكان واحد لا يكفي عددهم للفت انتباه أجهزة الأمن..ويحز في نفسه أن منطقة الحوض الشرقي الموريتانية التي ولدت هذه الموسيقى في فضائها منطقة هامشية ومعزولة، ولا يعرفها أحد، وهي التي قدمت للبشرية أعظم إنتاج موسيقي يمكن أن يصل إليه عقل"..(21)

 لا شك أن التماهي بين البطل والكاتب هنا بلغ أشده، لقد رصدنا من قبل ظاهرة التعريف بالعادات والآلات والأعراف لدى كبار الروائيين الموريتانيين، مثل موسى ولد ابنو في "مدينة الرياح"، وأحمدو ولد عبد القادر الذي صرح مرة بأنه جمع في رواياته بعض المعلومات التي حصل عليها من عمله في المعهد الموريتاني للبحث العلمي.

يصرح ولد اسلم هنا بأنه يريد تجاوز ذلك الإحساس الموريتاني بالهامشية، ويمثل الطموح الكبير لأبناء الركن القصي من العالم الاسلامي في تبوئ صدارة العالم على طريقة محمد محمود ولد التلاميد والشيخ آب لد اخطور، وغيرهم من سفراء المحظرة الذين أكدوا أن الصحراء منبت العباقرة..

 موريتانيا المعاصرة غير الرومانسية حاضرة في الرواية بطريقة هجائية، فساعة استراحة مختور لا يمكن أن يقطعها إلا "انتحار رئيس الولايات المتحدة على الهواء، أو فوز موريتانيا بكأس العالم" (22) وتزوير جوازات السفر، ورشوة الموظفين..

 "هذا مشهد عشوائي إنه من مدينة نواكشوط، المدينة الأقل استفادة من الإنتاج البشري والأقل استخداما للآلات.(23).."كان السمسار يعرف مداخل الدوائر الدبلوماسية في العاصمة، ولديه كل متطلبات ملف التأشرة جاهزة لا تحتاج إلا تغيير الإسم.." (24)

جدلية الماضي البدوي النقي والحاضر الملوث، تعكس النظرة الرومانسية التي يصدر عنها المؤلف.

 

بين البطل والكاتب

رووا عن "فلوبير" (25) أنه قال" مدام بوفاري أنا"، ولا يخفي أحمد ولد اسلم علاقته مع مختور ولد احويبيب، فالخيال مهما حلق يظل أحد إمكانات الواقع كما يقول جورج لوكاتش(26) وتلامذته.

فهذا الصحفي الذي يعمل في قناة عالمية، ولد في مدينة النعمة بالشرق الموريتاني، ودرس في جامعة لعيون، وهوعاشق لموسيقى التيدنيت، لاشك أن التقاطع بين سيرة البطل والكاتب يصل حد التماهي..

أما قناة 360 نيوز نتوورك فإنها تكاد تكون قناة الجزيرة حيث يعمل الكاتب "تحتل الشبكة الرائدة في التغطيات الإخبارية أربعة طوابق من ناطحة السحاب دائرية التصميم..وانتشار مراسلي القناة في مناطق مختلفة من المدينة" (27)

 تكاد تتطابق تغطية المظاهرات في فيوتسيتي مع تقارير قناة الجزيرة النمطية عن الثورات العربية، وطريقة مواجهة الثورات بالتنفيس والمراقبة "وزير الداخلية يحاول الفرار..لا تسمحوا له بذلك....كل المباني محاصرة، وقد فقدنا السيطرة على كل شيء، حتى أفراد الأمن الخاص لم يعودوا يستجيبون للأوامر" ..تذكر أن مراسل  المحطة إبراهيم ولد حيمودة  كان في الميدان...أنا في ورطة المجانين سيطروا على بث المحطة..." بخصوص المتظاهرين ثلاثة وثمانون في المائة من العرب و الأفارقة"(28)

إذا كانت الرواية من جنس الخيال العلمي وهي حافلة بالخوارزميات والذكاء الاصطناعي، فإنها تكاد تكون واقعية مطابقة للأحداث التي غطتها تقارير قناة الجزيرة خلال العقدين الماضيين في مشاهد عديدة، لا يمكن للبطل الا أن يحمل بعض السمات الوراثية التي لا تخطئها العين للمؤلف..

 

بين البراني والحدقي ومدينة الرياح..

  تنتمي رواية البراني إلى جيل من الرواية الموريتانية العالمية، ورغم أن لغتها الأدبية جمعت بين الجزالة والبساطة، فقد خاضت في إشكاليات عربية وعالمية بل فلسفية إنسانية عميقة، وطرحتها بأسلوب شيق..

ولعلنا لا نبالغ كثيرا إذا وضعنا رواية الكاتب الشاب أحمد ولد اسلم "البراني" جنبا الى جنب مع رواية الروائي الموريتاني الكبير موسى ولد ابنو(29) "مدينة الرياح"، حيث يجمع بين الكاتبين التجربة الإعلامية، وهذا الافتتان الكبير بألحان الموسيقى الموريتانية القديمة، والرغبة في استشراف مستقبل البشرية.

 وبينما غلبت الرؤية التاريخية على "مدينة الرياح" حيث تعرض مرحلتين من تاريخ المجتمع الموريتاني؛ تعود أولاهما لمجتمع أوداغست قبيل المرابطين، واللحظة الثانية لبدايات الاستعمار، بينما تتصور اللحظة الثالثة المجتمع الموريتاني سنة 2050 حيث التعايش مع النفايات النووية، فقد غلب على رواية "البراني" روح القصة القصيرة المكثفة، وخصوصا أن كاتبها نشر مجموعات قصصية قصيرة، وكانت النهايات مختلفة، حيث غلب التشاؤم على رواية موسى ولد ابنو، بينما تميزت خاتمة رواية ولد اسلم بنهاية سعيدة بلقاء البطل مع محبوبته في مزرعة بالشرق الموريتاني، حيث تم التغلب على الأزمة العالمية، ولكن مع ذلك تبقى النهاية مفتوحة على احتمالات عديدة، فكلمة " سأقتلك..انترش" التي ختمت بها رواية البراني توحي أن صراع البشر مع الآلة لم ينته، فربما ولدت نسخة ذاتية من البراني تحت مسمى انترش.. وهو مقام من مقامات الحماس في الموسيقى الموريتانية، بينما كان البراني مقاما حزينا ينتمي الى لحظات النهاية والانقباض..إذن هناك بداية أخرى للصراع من جديد..

ويبقى عنصر الذاكرة أو انبعاث الأمة مشتركا بين الروايتين، حيث تنطلق مدينة الرياح من منحى صوفي يستعيد فيه نفس البطل ذاكرته مع مراحل المجتمع، بينما كانت غيبوبة مختور ولد احويبيب سبع سنين ليعود بذاكرة أقوى ..

ويمكن من جهة أخرى اكتشاف بعض التناص بين رواية البراني لأحمد ولد اسلم ورواية الحدقي لأحمد فال ولد الدين (30)، فرغم أن البراني من عالم الخيال العلمي والتنبؤ بالمستقبل، والحدقي قصة حياة من الماضي تروي تجربة الجاحظ، فإن الخط التحريري لقناة الجزيرة، والتجربة المهنية للكاتبين في نفس القناة، جعلت وجه المقارنة ممكنا بين الروايتين على اختلاف في الأسلوب والثقافة بينهما.

 فبينما ينهل ابن الدين من ثقافة عباسية كلاسيكية، كانت النزعة العلمية ولغة البساطة أغلب على أسلوب ولد اسلم، وقد جاء اختيار بطلي الروايتين "القروي ومختور احويبيب" من عالم الصحافة، بل من العاملين في قنوات مشهورة "قناة العروبة، وقناة 360 نيوز" دليلا على تشابه التجربة المهنية الصحفية للكاتبين في نفس القناة..

 ولعل استخدام "ال" العهد الذهني في اسمي الروايتين ليس مصادفة، لأن الاسمين ليسا مما يتبادر إلى القارئ معناهما، ولا بد أن يقرأ صفحات كثيرة من الروايتين حتى يربط بين العنوان ومضمون الرواية،

صحيح أن دور القصة العاطفية في سبك الروايتين كان مختلفا، فالمرأة محورية في رواية ولد الدين، بينما جاء دورها ثانويا لدى ولد اسلم، حيث كانت إثارة الخيال العلمي أقوى، واقتصر دور المرأة على وجود علاقة هامشية بين البطل ومسؤولة الأمن الرقمي الروسية "يالوندا"، وكان الجمال الجسدي أكثر حضورا في صف الشخوص النسوية في رواية البراني، بينما غاصت رواية الحدقي في الأبعاد الشعورية والإنسانية للعلاقة العاطفية، وربما كان ذلك عائدا إلى طبيعة الفرق بين رواية تاريخية ورواية من الخيال العلمي..

 

وختاما نستطيع أن نقول بفخر إن رواية البراني رواية فريدة، جمعت بين الوصف الواقعي والخيال العلمي، كما اتخذت من البعد المحلي ممثلا في الموسيقى الموريتانية بوابة جديدة للعالمية..

لقد أعاد أحمد ولد اسلمو في رواية البراني إلى الذاكرة الموريتانية هيمنتها، ليس فقط بوصفها حافظة لعلوم السلف، ولكن بوصفها قادرة على تقديم حلول إبداعية لمشاكل العولمة..

 وقد شكلت رواية البراني صرخة أدبية قوية لتحذير البشر من تغول الآلة على غرار ما حذر منه الفلاسفة فيما يعرف ب"التشيؤ" (31)

 وبعثت الرواية أملا جديدا في استعادة الإنسان خليفة الله في الأرض زمام السيطرة، فمهما تغولت الآلة تظل من صنع البشر، يقول مختور ولد احويبيب بعد أن تحداه الربوت ابن الربوت البراني "اسمع أيها البراني..أو أيا تكن، أنا من خلق مايخرص، وأنا من اكتشف لغة "أزوان"، ولست قادرا على ابتزازي بشيء" (32)..

 

-__الهوامش__________________________________________

1        أحمد ولد اسلم كاتب وصحفي موريتاني، من مواليد مدينة النعمة بالشرق الموريتاني 1984، صدرت له رواية بعنوان "حياة مثقوبة"، ومجموعة قصصية بعنوان " انتظار الماضي"

2        "البراني" قال في المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية 1960 البراني: الخارجي وهو خلاف الجواني، وفي الأثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه "من أصلح جوانيته أصلح الله برانيته" والبراني كلمة في اللهجة الحسانية الموريتانية تعني الأجنبي أو الغريب، وهي في الرواية تسمية محلية لأحد ألحان الموسيقى التقليدية الموريتانية.

3        أحمد ولد اسلم، رواية البراني، دار الآداب للنشر والتوزيع، 2021م، ص36 

4        نفس المصدر السابق ص 38

5        نفس المصدر السابق ص 15

6        نفس المصدر السابق ص 19

7        نفس المصدر السابق ص 153

8        نفس المصدر السابق ص 153

9        نفس المصدر السابق ص 100

10    نفس المصدر السابق ص 99

11    نفس المصدر السابق ص 157

12    نفس المصدر السابق ص 158

13    نفس المصدر السابق ص 162

14    نفس المصدر السابق ص 130

15    نفس المصدر السابق ص 139

16    نفس المصدر السابق ص 217

17    نفس المصدر السابق ص 142

18    نفس المصدر السابق ص 157

19    نفس المصدر السابق ص 98

20    الأشوار جمع شور وشور وهي كلمة من اللهجة الحسانية تطلق على الألحان الموروثة في الموسيقى الموريتانية التقليدية

21    البراني مصدر سابق ص 159

22    نفس المصدر السابق ص 82

23     نفس المصدر السابق ص 143

24    نفس المصدر السابق ص 151

25     جوستاف فلوبير روائي فرنسي متوفى 1880م، عرف بروايته "مدام بوفاري" التي نشرت 1857م

26    جورج لوكاتش؛ فيلسوف وكاتب وناقد مجري من التيار الماركسي، توفي 1971 م

27    نفس المصدر السابق ص 11

28    نفس المصدر السابق ص 114

29    موسى ولد ابنو كاتب وروائي موريتاني كبير صدرت له روايات نالت شهرة على المستوى العالمي منها " مدينة الرياح، الحب المستحيل، حج الفجار"

30    أحمد فال ولد الدين كاتب وصحفي موريتاني، صدرت له روايات: "الحدقي، الشيباني"

31    "التشيؤ" من معانيه أن تتحول الأشياء التي صنعها الإنسان إلى سبب لقهره وتدمير علاقاته وقدراته الإنسانية..

32    رواية البراني، مصدر سبق ذكره، ص 203

 

الخميس، 3 يونيو 2021

هشام جعيط.. ابن خلدون الحائر

هشام جعيط.. ابن خلدون الحائر

 محمد محمود ولد سيد يحي

 

عندما فتحت كتاب هشام جعيط "السيرة النبوية" قبل بضعة عشر عاما، وجدت نفسي أمام ذلك الصنف من الكتب الذي لا يمكن أن تفارقه قبل أن تكمل قراءته وأنت تلهث خلف سطوره، فطريقة هشام جعيط في كتابة تاريخنا الإسلامي طريقة التفكير بصوت عال، ورغم أننا لا بد أن نختلف معه بسرعة لأنه يمتلك جرأة عالية في الاصطدام مع الثوابت والقناعات الراسخة، لكننا لا نملك إلا أن نحترمه، فالرجل يكتب بموسوعية من يمتلك ناصية العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة، ويقف في ملتقى طرق الفكر البشري المعاصر..

لقد عدت مرات عديدة لقراءة هذا الكتاب لأنه تحداني، وأثار أسئلة فتحت شهيتي لقراءة كتب أخرى في مجالات متنوعة، رغم أنني كنت وسأظل مختلفا معه في مصادرات كثيرة..

في الجزء الأول من ثلاثية السيرة، نعثر على نص فريد يسير بين التاريخ والفلسفة وعلم الأديان، في دراسة مقارنة لظاهرة الوحي، لقد عدنا إلى "جليل الكلام" بلغة السلف، وفي الجزء الثاني "محمد في مكة" نطالع نصا في الانتربولوجيا التاريخية، ونندهش أمام نقد عاصف للمصادر والروايات الأصلية، ونخرج بصدمة كبرى أمام اللغة العلمانية الباردة التي يخاطب بها جعيط قطعياتنا الإيمانية، وفي الجزء الثالث "محمد في المدينة" نتعرف على موجز فريد حول الغزوات وانتصار الإسلام..

تتمثل المساهمة الكبرى لهشام جعيط في وقوفه بصلابة أمام موجات الاستشراق العدمية الجديدة والتي قادتها "باتريس كرونه" ورفاقها في كتاب" الهاجريون"، لقد أكد بلغة علمية قوية وبناء على شروط القوم أن القرآن الكريم هو النص الأقوى حجية في تاريخ الإسلام، وأنه نص أصيل ومعاصر للنبي صلى الله عليه وسلم  وصحابته، على عكس موجات التشكيك والتلاعب الحمقاء التي قادها جيل من يسميهم جعيط صغار المستشرقين، والذين ما كان لهم أن يجهروا بهذا الكلام لو كانوا يعلمون أن جيلا أكاديميا لهم بالمرصاد.

ودافع هشام جعيط بشراسة عن ظاهرة الوحي، حتى لو دفعه ذلك إلى خطيئة المساواة بين القرآن الكريم، وأنشودة السعيد الهندية، وموعظة الجبل التي روتها الأناجيل، وإذا كان لنا أن نلتمس للراحل عذرا رغم اختلافنا معه، فإن طبيعة من يخاطبهم من المستشرقين ودراسي الإسلاميات بالمناهج العصرية تغفر له الكثير من الزلات، اللهم إلا ما خالف فيه قطعياتنا العقدية التي لا تقبل الجدال.

لقد كان هشام جعيط مؤرخا كبيرا ووريثا شرعيا لابن خلدون، وقدم عملا موسوعيا لنقد الرواية التاريخية الإسلامية بناء على "طبائع العمران"، هذه المرة بلغة العصر وعلومه ومصطلحاته.

 اليوم وبعد عمر حافل بالعطاء العلمي يغادر عالمنا هذا الجهبذ الكبير، والذي أكد أن تونس أو إفريقية كما سماها الرومان والعرب، تونس الخضراء ما زالت تنجب العباقرة، وأن ابن خلدون آخر ولد هنا وترك بصمة لا تنسى في علم التاريخ..

 


الجمعة، 28 مايو 2021

رهانات السوسيولوجيا الموريتانية

 

السوسيولوجيا الموريتانية.. أية رهانات؟

 محمد محمود ولد سيد يحي

 

طلب مني زملاء مولعون بحسن الظن من منتدى السوسيولوجيين الموريتانيين أن أساهم معهم بورقة في ندوة  بعنوان " السوسيولوجيا بموريتانيا المعوقات والفرص"

ورغم أنني سأكون متطفلا إن لم أكن متطاولا وأنا أسمح لنفسي بالحديث أمام هذا الجمع الكريم من أساتذة وباحثين لهم شرف السابقة والميدان، بينما حبسني حابس الفيل منذ بعض الوقت وشغلتني دهاليز الإدارة والتسيير كما قال الناظم:

 شغلت بالنحو وبالبيان

 وإن هذان لساحران

وقبل أن أدخل الموضوع أرجو من الجمع الكريم قراءة الفاتحة ترحما على روح فارس من فرسان السوسيولوجيا الموريتانية، ما كان له أن يتخلف عن هذا الموعد لولا أنه انتقل إلى العالم الآخر، أخي وزميلي الأستاذ الباحث محمد ولد احميادة رحمه الله..

قبل عشرين عاما ومع بداية الألفية الثالثة كان على العبد الفقير أن يختار عنوانا لمجموعة من المقالات والبحوث التي تم نشر معظمها خلال التسعينيات في الصحف الوطنية، قرر أن يجمعها في كناش أو كتيب مطبوع طباعة بدائية، ووقع الاختيار على عنوان أقدم المقالات "المجتمع الفضفاض" وكان العنوان الفرعي "ملاحظات سوسيو نقدية حول المرأة، والسلطة، والثقافة في المجتمع الموريتاني المعاصر"، أما العنوان العريض الذي جاء في المقدمة فقد كان طموحا "من أجل علم اجتماع موريتاني نقدي"

لقد كانت الفكرة الأساسية في الكتاب والهم الرئيس للمؤلف هو أن يطلق مجموعة من الفرضيات والملاحظات للملمة شتات البحوث الميدانية والكتابات المتفرقة حول المجتمع الموريتاني، لتقديم ما أسماه عالم الاجتماع الأمريكي الكبير"رايت ميلز" "خيالا سوسيولوجيا" يساهم في إنارة الرأي العام حول القضايا التي تشغله اعتمادا على الأطر النظرية التي قدمها الرواد..

لقد حاولنا خلال تلك الفترة أن نوجه السجال حول تصنيف العائلة الموريتانية ما بين "الأبوية" ورواسب "الأمومية الصنهاجية" للوصول إلى نمط العائلة "مركزية الأم" التي يطبعها شيوع الطلاق رغم ارتفاع مكانة المرأة نسبيا، كما ساهمنا في السجال الذي أطلقه رائد السوسيولوجيا الموريتانية المعاصرة الدكتور عبد الودود ولد الشيخ حول القبيلة والسلطة، خلال انحيازه الشهير للأطروحة الخلدونية ردا على النظريات الانقسامية التقليدية وتفسيره لدور المخيال الديني في تأسيس مجال الإمارة كسلطة فوق قبلية في المجتمع القديم، وحاولنا محاورته حول تصنيف نمط السلطة القائم في البلاد منذ الاستقلال بين التقاليد السلطانية كما يسميها "ماكس فيبر" و"فتفوجل" في ظل الدولة الريعية التي اعتبرها هبة المساعدات الدولية، واخترنا أن "المخيال السياسي الموريتاني" الذي جذرته ثقافة المحظرة والطرق الصوفية ونمط إنتاج الغنيمة هو أقرب إلى مقولات العقل السياسي العربي في تحليل العلاقة بين ثلاثي؛ القبيلة، والغنيمة، والعقيدة، كما يسميه محمد عابد الجابري، وخرجنا بأن  المخيال السياسي والديني الموريتاني أكثر انفتاحا على التغيير من النظرة المتشائمة لعميد السوسيولوجيا الموريتانية.

 وفيما يتعلق بالقيم الثقافية في المجتمع الموريتاني رصدنا مرحلة التحول، وتضارب المنظومات الأخلاقية التي سميناها بحالة "الفضفضة" لمجتمع أصبح ثوبه القديم غير ملائم، ولم يتمكن بعد من تفصيل ثوبه الجديد.

لقد نظم رواد السوسيولوجيا الموريتانية المعاصرة ندوة هامة سنة 2010 بمناسبة خمسينية الاستقلال الوطني، أشرف عليها أستاذنا عبد الودود ولد الشيخ، وشارك فيها كل من "د شاسي" والراحل "بيير بونت"، وتم نشر أعمالها باللغة الفرنسية، وكما تعلمون فإن أهم الأعمال السوسيولوجية لهؤلاء الرواد  لم تصل بعد إلى قراء العربية فيما عدا الجهود الكبيرة والمقدرة للدكتور محمد ولد بواعليبه الذي ترجم بعض الكتب الهامة لكل من "د شاسي" و"بيير بونت" وآخرين..

واذا أردنا أن نرسم خطاطة عامة لوضعية البحث السوسيولوجي حول المجتمع الموريتاني يمكننا أن نقول إن الإسهامات الكبرى ركزت على سوسيولوجيا التاريخ و محاولة تفسير نشأة المجتمع الموريتاني التقليدي، وهنا تركزت أعمال كل من عبد الودود ولد الشيخ، وبيير بونت الذي قدم دراسة انتربولوجية نادرة لروايات الأصول البيظانية، وصف فيها بجهد موسوعي تحولات الأنساب والبنيات القرابية في المجتمع منذ انهيار المجال السوداني وطريق "الذهب والملح" بعد سقوط تمبكتو بيد السعديين نهاية القرن السادس عشر الميلادي، وتبلور العصر الحساني الذي يمكن وصف "نحلة معاشه" الأساسية حسب المصطلح الخلدوني أو "نمط انتاجه" بالمفهوم الماركسي بأنه عصر "العلك والخنط" والمبادلات عبر الشواطئ.

ولعل أهم إضاءة سوسيولوجية حول المجتمع الموريتاني المعاصر هي أطروحة "دي شاسيه" "المجتمع الموريتاني من 1900 الى1975 " وقد حاول فيها اعتمادا على المقاربة الماركسية وصف تأثير الإدارة الاستعمارية، والرأسمالية العالمية، ودولة الاستقلال، في التحولات التي عرفتها السلطة السياسية وصولا إلى تشكل طبقة حاكمة يلعب فيها الإداريون، والزعامات التقليدية، وكبار التجار دورا بارزا، كما وصف بشكل عميق صراع المدرسة والمحظرة، وجدال التعريب والفرنسة، والتوترات العرقية وإشكاليات الهوية التي توظف في منافسات النخبة السياسية.

وقد وضحت في كتاب "المجتمع الفضفاض" أن أكبر تغير عميق عرفته بنية المجتمع الموريتاني التقليدي كان تحت تأثير ضربة جفاف السبعينيات، فقد انتهى عهد التجاور الغزلي بين الإدارة والقبيلة (عصر الحصرات)، وهجر الناس البوادي إلى "مدن متريفة اومتبدية"، وبدأ العهد الطويل لتراجيديا الكبات والكزرات، وانهارت التقاليد العبودية، لقد لجأ المجتمع التقليدي إلى دولة لم تكن مستعدة، وتنامت الهجرة منذ الثمانينيات في "تغريبة موريتانية" جديدة خلدتها رائعة الشاعر الكبير "أحمدو ولد عبد القادر" "السفين":

 رحلنا كما كان آباؤنا يرحلون

 وها نحن نبحر

 كما كان أجدادنا يبحرون..

ومنذ بداية الألفية الثالثة عرف المجتمع الموريتاني منعطفا جديدا مع تنامي العولمة، مثله في ذلك مثل غيره من مجتمعات العالم، فطوفان الصور والأفكار الجديدة، ودخول الهواتف الذكية، ووسائط التواصل الاجتماعي، حيث الواتساب ملائم ل"مجتمع اشطاري".. كلها تحولات تطرح رهانات حقيقية على السوسيولوجيا الموريتانية..

وقد عرضت الباحثة "سلين لزورد" في ندوة خمسينية الاستقلال مثلا لتحولات الموضة في الطبقة الارستقراطية للمجتمع بين التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، ما بين ثقافة "التشعشيع والترف الباذح"  وما سمته "الأغنياء الأتقياء" وهي ما يلقبه عبد الودود ول الشيخ بظاهرة "الطلبنة" في الحواضر، والمظاهر السلفية والتنافس في المظهر الديني، ومنبهات الأذكار والأدعية في التلفونات، وعمرة رمضان...وهو ما لمسناه في المقابل من تعلق فئات اجتماعية مهمشة في الإقبال على أشرطة الوعظ الديني، وكاسيتات الموسيقى الكلاسيكية لسدوم وديمي لدى فئة "الغسالين" مثلا، في حراك ثقافي لامتلاك الرأسمال الرمزي كما يسميه "بورديه" سعيا لتسنم مكانة أفضل في سلم القيم الاجتماعية السائدة..

ولقد شارك العبد الفقير في العديد من الدراسات الميدانية حول العنف ضد المرأة، وعمالة الأطفال، وسوسيولوجة المرض، وغيرها من الموضوعات المتنوعة، ونشر المكتب الوطني للإحصاء  بيانات وافرة عبر الإحصاء العام للسكان والمساكن، والمسح المعيشي للأسر، كما تنشر المنظمات الدولية مثل اليونسيف، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمة الصحة العالمية ،دراسات انتروبولوجية واجتماعية حول إشكاليات عديدة، ولكن كل ذلك تهيمن عليه الأغراض العملية الإجرائية، وينقصه الخيال السوسيولوجي الضروري لإعطائه دلالة علمية..

إن التحدي الكبير والرهان الأول أمام السوسيولوجيا الموريتانية مثل السوسيولوجيا في العالم، هو وفرة البيانات الإحصائية والمعلومات "الأمبريقية"، وضعف الأطر النظرية والفقر في الفرضيات الخصبة التي تعطي للبحث العلمي دلالته كما يقول "كارل بوبر".

وأعتقد أن الوسط الأكاديمي ونادي السوسيولوجيين الموريتانيين بالأخص مطالب بوضع خارطة طريق مشتركة لأهم المجالات البحثية التي تجيب على الأسئلة الملحة لمجتمع غزته الثورة الرقمية، وتتنامى فيه ظواهر الجريمة والانحراف والغلو، وتضغط فيه البنيات التقليدية على الإدارة محدثة شقوقا بارزة في البناء الاجتماعي..

 وحتى لا أكون متشائما أؤكد هنا أن تاريخ المجتمع الموريتاني كان دليلا على القدرة على التكيف مع التغيرات، وتجاوز الهزات العنيفة، ولعلها "البركة" بلغتنا نحن المسلمين، أو حيوية النسق الاجتماعي في ابتلاع التوترات بل تحويلها إلى مسارات مفيدة بلغة "تالكوت بارسونز"، ولكن الدور التأطيري للمجتمع الأكاديمي ما زال ضعيفا في مواكبة استحقاقات المرحلة، ولعل هذه البداية أن تكون فأل خير..

 وفقكم الله جميعا وأشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

 

 

السبت، 6 يناير 2018

رواية الحدقي أو جاحظ الجزيرة الموريتاني المتشائم


رواية الحدقي
أو جاحظ الجزيرة الموريتاني المتشائم
محمد محمود ولد سيدي يحي

عندما قرأت رواية الحدقي للكاتب الصحفي أحمد فال ولد الدين، تذكرت مقالا قديما كتبه أحمد حسن الزيات في بداية القرن الماضي عن الشيخ محمد محمود ولد التلاميد"في مجلته "الرسالة" تحت عنوان  "الشنقيطي كما عرفته"، يصف فيه حروب الشيخ مع أئمة وخطباء القاهرة، وتخطئته لهم في لغتهم وأحاديثهم..
 وقد رسم عميد الأدب العربي طه حسين صورة كارياكارتورية للشيخ الشنقيطي في سيرته الذاتية "الأيام" وخلافه مع علماء الأزهر على صرف "عمر" وتقديمه مائة بيت من الشعر الجاهلي على أنها غير ممنوعة من الصرف..
 ذكرتني رواية الحدقي بتلك الأستاذية التي يحرص هؤلاء القادمون من الأطراف القصية من إفريقيا أن يفرضوها على المشرق العربي في لغته وتراثه منذ قرون..
تعرض رواية الحدقي بلغة عربية قوية قصة كاتب صحفي موريتاني في قناة الجزيرة  أراد أن يكون مدققا لغويا، ولكن صرامته أثقلت على الصحفيين فحولوه لقسم الوثائقيات، وكلفوه بكتابة رواية تاريخية عن الجاحظ، وتتعاقب في الرواية الأحداث بين قصة الصحفي التي اختزلها الكاتب في علاقة عاطفية مع فتاة سعودية مهاجرة في قطر، وبين مشاهد من حياة الجاحظ التي طغت على معظم صفحات الرواية بلغة عباسية رفيعة..
يصف الكاتب بشكل ممتع جو مدينة البصرة في نهاية النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، ويرصد محطات حياة الجاحظ منذ طفولته وولعه بالعلم وتلمذته على الخليل بن أحمد الفراهيدي، ثم اندماجه في جماعة المعتزلة "أهل العدل والتوحيد" مع العلاف والنظام، ومناظرات الفرق في المدينة المتنوعة،  وولعه بالوراقين والتأليف حتى ذاع صيته وتلقى الأعطيات من الولاة،  فاستدعاه ابن الزيات لبغداد وأعانه على التفرغ للتأليف، ليصبح ابن الزيات وزيرا للمعتصم ثم يشي به الوشاة لينتهي مقتولا، فيتفرغ الجاحظ للتأليف حتى أصابه الفالج بعد أن أصبح مرجعا للعامة والخاصة من الشعراء والعشاق يفدون إليه ويستشيرونه في قضاياهم وهو  ملقى على جنبه بين كتبه التي كان سقوطها سبب وفاته..
ضبط المؤلف الإيقاع الروائي لقصة صحفي الجزيرة وعلاقة الحب التي جمعته بالفتاة السعودية مع إيقاع قصة حب فاشلة للجاحظ مع ابنة أستاذه تماضر بنت الخليل بن أحمد؛ والتي فضلت عليه ابن المديني  قائد أهل الحديث أعداء المعتزلة، واستكملها بزواج الجاحظ من جارية المأمون فائقة الحسن التي طردها سيدها بعد أن فضلت عليه أحد غلمان القصر، لينتهي بها المطاف زوجا سعيدة للجاحظ على دمامته وقبحه المشهور..
ورغم ما ملأ به الروائي صفحات الرواية من تأملات في الحب على لسانه تارة وعلى لسان الجاحظ تارة أخرى، فقد بدت قصصه من نوع "الحب المستحيل"، فما الذي يجعل جارية من بنات ملوك الفرنجة ترفض وصل سيدها ولي العهد المأمون من أجل جندي أو غلام من غلمان القصر؟ وتنتهي حياتها وهي من هي في جمالها وحسن صوتها بالرضى بكاتب من أهل الجدل شائه الخلقة مثل الجاحظ،؟؟ وأغرب من ذلك تعلق الصحفي الموريتاني بالفتاة السعودية، رغم أن نهاية القصة هنا أقرب للممكن حيث انتهت برفض زواج "القروي" من "مطوعة بريدة"..
ورغم أن ولد الدين كان حذرا مختصرا في قصته عن الدوحة وقناة الجزيرة، فإنه عوّض ذلك في بسط الحديث عن التقلبات السياسية والثقافية التي عرفها العباسيون طيلة حياة الجاحظ، وهنا تحضر منذ البداية لازمة عنف السلطة وإدانتها وخطورة الاقتراب منها في الرواية، حيث مشهد قتل الخليفة العباسي المهدي للشاعر بشار بن برد بتهمة الزندقة، ثم نكبة البرامكة، ثم بعد ذلك مشاهد تعذيب الإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن بحضرة المعتصم، ومشاهد تعذيب ابن الزيات للتجار ونهايته المأساوية، ومشهد مقتل الخليفة المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان على يد الأتراك..
ففي الدوحة بدا الزمان مختصرا والحدث معلبا في قاعة التحرير أو الكافتيريا والكورنيش ما بين ثلاث سنوات 1438 إلى 1440 للهجرة، بينما تمدد الزمان العباسي ما بين البصرة وبغداد على ما يقارب قرنا من الزمان ما بين168 إلى 255 للهجرة..
ورغم أن الكاتب أراد للرواية التاريخية عن الجاحظ أن تكون الأصل ولسيرته الذاتية في الدوحة أن تكون الهامش، فإننا بشيء من التحليل النفسي نستطيع أن نكتشف أن العكس هو الصحيح، حيث أفلتت ملاحظات قليلة تشي بانطباعات سلبية أحيانا عن الدوحة، فجبهته الغماء يكاد الشعر يغزو كل أطرافها المضغوطة " كخريطة دويلة ضعيفة واقعة بين إمبراطوريتين متنافستين"... لا شك أن الأمر يتعلق هنا بدولة قطر.
ورغم رغبته في المقارنة بين الدوحة والبصرة من حيث الانفتاح وتنوع الثقافات، إلا أنه لا يلبث أن يتذكر أن "الحياة كلها في هذه المدينة التي يعيش فيها حياة مصطنعة، فكيف تكون غرفة الأخبار بتلك البرودة في جو كهذا؟؟" ولعل النهاية المحتملة للمهاجرين في هذه البلاد سيئة كما تخيلت الفتاة السعودية "القروي يقاد إلى مخافر الترحيل بين مئات الهنود والأفغان من أصحاب الجنح"!!
وقد جاءت لازمة حبيبات العرق التي تكررت كثيرا في وصف شخصيات الرواية لتعكس ضجرا مكتوما من كاتب الرواية بمناخ الضغط الحارق الذي يعيشه في منطقة الخليج...
وينقل ولد الدين جانبا من نقاشات قاعة التحرير في قناة الجزيرة التي سماها قناة "العروبة" والتي "يؤمن  إيمانا عميقا بأنها ساهمت في النهوض بالفصحى، وتوحيد اهتمامات الإنسان العربي"  حيث تقام فيها الدنيا لأن سبقا صحفيا أحرزته قناة أخرى؛ "كيف ننقل عن البي بي سي خبرا في العالم العربي..هذا ملعبنا نحن، وما لم نؤكده نحن فلن يتأكد...والخبر الذي لا نبثه نحن لم يقع!"
إلا أن قصة القروي واضطهاده وتهميشه في القناة تشير إلى أن الكفاءة ليست هي المعيار دائما في القناة " الفاضلة"!!، فقد كان سبب رفع الشكوى منه من قبل الصحفيين "هو كونه لا سند له في غرفة الأخبار، فلو أنه من إحدى الدول العربية الكبيرة لكانت له عصابة تحميه، وتدافع عنه، وتبرز محاسنه وتستر مثالبه". ويبرز النقد الـأكبر في تشاؤم ابن الدين بنهاية مستوى قناة العروبة التي أصبحت تنقل الأخبار باللهجات العامية بدلا من الفصحى، ولعل في ذلك تلميحا غير مقصود لتراجع شعبية "الجزيرة" منذ دخلت في صراعات ما بعد الربيع الدموي، وأصبحت منشغلة بالحرب الإعلامية المحلية التي تدور في الخليج بين الإخوة الأعداء..
وتحمل قصة الحب المستحيل بين القروي والفتاة السعودية "حصة" المشاعر السائدة في الدوحة وقناة الجزيرة تجاه إخوتهم في السعودية؛ ف"مطوعة بريدة" كائن متناقض، فهي تضيق بالتزمت الديني و"تدعو إلى الليبرالية الاجتماعية، ولكنها ضد الحرية السياسية، تنتقد الحركات الإسلامية السياسية، ولكنها تدافع عن المدرسة الوهابية بعقلية بدوي يطلب الثأر من أبيه" ..لا يختلف الوصف كثيرا عن بعض تقارير "فوزي بشرى" و"الكتبي" في الحرب الإعلامية الدائرة بين البلدين مؤخرا..
وفي رواية الحدقي صورة نمطية لكبرياء الإنسان الموريتاني الذي يصل حد البارانويا، فابن الدين معجب بأستاذيته اللغوية مثل ولد التلاميد وأسلافه من سفراء المحظرة، وهو معجب بتدينه "المختلف، وذلك الجهد الذي يبذله في إخفاء صدقاته وعباداته حرصا على الأجر"
لقد أسقط ابن الدين على مدرسة الخليل بن أحمد الفراهيدي في البصرة بعض سمات المحظرة الشنقيطية بأخصاصها وأعرشتها، وانتصر لآبائه وأجداده على أهل الجزيرة العربية عندما رد غاضبا على رفض والد "حصة" تزويجه من ابنته بالقول:
"-أنا أحصي سبعة من آبائي كلهم عالم، ولعلك تحصي نفس العدد من أجدادك قطاع طرق"!!
وفي رواية الحدقي تلاعب طريف لا يخلو من دلالة بالأسماء والألقاب، فالجاحظ هو الحدقي، وقناة العروبة هي قناة الجزيرة التي يبدو أن عروبتها ستتراجع لاحقا إلى المستوى العامي، والفتاة السعودية التي تكره "المطاوعة" المتدينين أصبحت "مطوعة بريدة"، وأما ابن الدين فإنه " القروي" رغم أنه بدوي معتز ببداوته العالمة، ولعلها نسبة إلى مدينة "قرو" بولاية لعصابة التي ينتمي الكاتب إلى مجالها القرابي..
لقد أراد ولد الدين أن يكتب عن الجاحظ وعصر التدوين العباسي وازدهار الترجمة والعقل، فكتب عن الدوحة وعصر الضعف العربي والصراعات العبثية، ورغم أنه ركز فيما يكتب على نقل المناظرات والجدل السائد في العصر الذهبي العربي، فقد أفلتت منه ملاحظات متشائمة عن العصر الحالي، وقديما قال الروائي فلوبير" مدام بوفاري أنا"، ويمكننا أن نقول إن الحدقي هو الحلم المستحيل لولد الدين وكتاب العربية الكلاسيكية في زمن الصراع العربي العربي الحالي..
 وتذكرنا النهاية المتشائمة لرواية الحدقي حيث يتم طرد القروي من قناة العروبة ليهاجر إلى زيورخ بنهاية متشائمة أخرى لكاتب من كتاب قناة الجزيرة هو الأستاذ محمذن باب ولد اشفغ في رواية "وادي النعام"، فالقروي سيهاجر إلى "صحراء لا سلطان لأحد عليه فيها" وولد اشفغ ينهي روايته بصورة غرق نواكشوط التي تصورها بلا رئيس في وقت هي أحوج ما تكون إليه..
هل هو التشاؤم الملازم للخط التحريري لقناة الجزيرة  وكتابها، أم هو تشاؤم الإنسان العربي الذي يعجز عن مواجهة الواقع فيلجأ إلى الماضي والتراث؟
في النهاية تبقى رواية الحدقي إضافة نوعية للمكتبة العربية، ودليلا جديدا على أن أحفاد الشناقطة مصرون على أن يظلوا سدنة التاريخ الثقافي، ومرجع اللغة  العربية الكلاسيكية، حتى في زمن الغوغلة والعولمة، وتراجع الخطاب العربي إلى لهجة التنابز والثارات التي تعود بالأمة إلى الوراء..

الاثنين، 11 سبتمبر 2017

"قصتي مع الحج"

راودت نفسي مرات قبل أن أسطر هذه الحروف لأشارك القراء بعض اللّحظات والملاحظات حول رحلة العمر إلى الحج، وقلت وماذا يمكن للمرء أن يقول بعد ما سطّره جهابذه هذا القطر في رحلاتهم إلى الديار المقدسة، وأين أنت أيها المغرور من مما كتبه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي "آب ولد اخطور علما" في كتابه "رحلة الحج إلى بيت الله الحرام" والأسئلة العميقة التي طرحتها عليه سيدة من مجموعته في منطقة "الركيبة" في مسائل بلاغية ومنطقية عويصة، وأسئلة السودان والحجاز التي كشف فيها العلامة عن درر علمه ورسوخ قدمه..
وهل بعد رحلة "المنى والمنة" للطالب أحمد ولد اطوير الجنة، ورحلات ابن جبير وابن بطوطة.. ورحلة الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر "محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي" التي أثمرت فتوحاته المكية التي حار فيها الفلاسفة وغرق في بحارها المتصوفة، لأنها من "المضنون به على غير أهله" كما يسميه حجة الإسلام الغزالي... بعد كل هذا كما قال الشيخ سيد محمد ولد الشيخ سيديا:
 هل غادرت هل غادر الشعراء في  
بحر القريض لطامع من مطمع؟؟
لقد كانت رحلات الحج دليلا على قوة الإيمان وحرقة الشوق لتلبية نداء أبينا وإبراهيم وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان القوم يقطعون آلاف الأميال ويقضون الشهور و السنوات في طريقهم إلى البقاع الطاهرة؛ يكابدون العطش والمرض ومخاطر الطرق من النهب والإغارة وأهوال البحار، حتى أن قبورهم أصبحت مزارات يتبرك بها الناس في "سيدي مطروح" و"سيدي براني" ..
وما نسبة حجنا إلى حجهم وقد أصبحت الطائرات النفاثة تنقلنا في ساعات يطوف علينا خلالها الحور العين من المضيفات والمضيفين بالوجبات الساخنة والمرطبات في أجواء من التكييف والدعة ما كان يحلم بها المترفون من الأمم السابقة واللاحقة ..
فقلت إنما هي رحلة دون رحلة، وملاحظات سريعة على طريقة حجنا معشر أهل الواتساب والفيسبوك، عسى أن يكون حالنا معهم كحال "الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإحسان، ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء، كل امرئ بما كسب رهين"..
ولا مجال هنا للحديث عن الحجوزات ورحلات الطيران والفرق بين الوكالات وبعثة الحجيح الرسمية..
فكل هذا قد تداوله الورى
 حتى غدا ما فيه موضع إصبع..
وقد كان أول موقف عظيم تصاغرت فيه النفس وخلف حزنا عميقا رافقني ولا أستطيع أن أنساه، هو مشهد جموع من المسلمين من جنوب آسيا وقفوا ببوابات الشرطة بمطار المدينة المنورة تفيض أعينهم من الدمع فرحا برؤية مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، كانوا يبكون بحرقة شبابا وشيبا ونساء وكهولا..وكنا معشر قساة القلوب مشغولين بالطابور وإجراءات  الدخول..وعندما عُدت لتذكر ذلك الموقف العجيب خشيت أن أكون ممن صدق فيهم قوله تعالى تعالى "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"
فهؤلاء الذين لم ينعموا بالتلقي المباشر لقصص القرآن الكريم، وبشارة وعده، ومشاهد وعيده، وجمال أمثاله وقصصه، يخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا، ونحن من علينا أنزل كأنما قلوبنا قدّت من صخر:
كذبتُ وبيت الله لو كنت عاشقا
 لما سبقتني بالبكاء الحمائم
ولمدينة الرسول ومسجده، صلى الله عليه وسلم، وموقع غزواته وديار صحابته، آثار عجيبة لا تضاهى في قلوب المؤمنين، فهنا جرت قصة عظيمة غيرت وجه التاريخ البشري، ولنا معشر الشناقطة الموريتانيين تعلق صوفي بحجرة عائشة وما حوته من جسده الشريف وصاحبيه، ف"الحقيقة المحمدية" حوت سرّ الإسلام ومذاقه، ففي شخصه المعصوم يلتقي عالم الغيب والشهادة، ومن سيرته العطرة وسنته المطهرة انبثقت قدوة القرآن الحي الذي ما زلنا نغذ السير خلف خطاه دون أن ندركه إلى اليوم، فلا تعجبوا من خفقان القلوب لهذا المكان بشكل فريد..
وللصلاة والدعاء وتلاوة القرآن الكريم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الروضة بين القبر والمنبر، طعم لا يضاهى وروحانية لا يمكن للمرء أن يشعر بها في أي مكان آخر.
 ولن أكتمكم أن أول عتبي على إخوتنا السعوديين القائمين على خدمة هذه الديار المقدسة في ذلك الفهم المتشدد لما جاء به الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب، حتى أنهم طمسوا الكثير من معالم التاريخ العظيم الذي كان يضج بالحياة في هذه البقعة المطهرة، ولا شك أن غرضهم في ذلك شريف وهو محاربة الشركيات والبدع، ولكن كان يسعهم ما وسع صحابة رسول الله والتابعين، وأن يبقوا على ديار أمهات المؤمنين وقبور الصحابة والتابعين بارزة، فلو لم يكن للآثار والصور مالها على النفس، لما استفاض القرآن الكريم في القصص والأمثال، ولما أمرنا بالسير في ديار الذين من قبل لأن في آثارهم عبرة لأولي الألباب، وقد أجمع المهتمون بنشر الدعوة على أن "فيلم الرسالة" على ما فيه، قدّم الإسلام للعالم بأقصر السبل، وترك انطباعا لدى الملايين أكثر مما يمكن أن تقدمه المجلدات التي سطرها الجهابذة وخطب الوعاظ ومحاضراتهم..
ولقد ذهبنا نتلمس خطى الذين رضي الله عنهم، ووقفنا نحمي ظهور المسلمين على جبل الرماة قرب قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وجبلُ أحد شاهد على يوم عظيم كان فيه النصر حليف الصبر، يوم وقف الإيمان موقفا يهزأ بالمصائب رغم عظيم الابتلاء..
 وذكرتني نسائم النخيل قرب مسجد قباء برائحة ربما تنسّمها شمُّ الأنوف من صحابة الرسول الخاتم، ووقفت متحسّرا قرب قصر "عروة بن الزبير" على أطلال وادي العقيق، وآلمني منظر "مسيل التلاع" الذي أصبح مهجورا بعد أن خلده عمر بن أبي ربيعة وشعراء الغزل الحجازي في روائع باقية أبد الدهر...
فقلت مع إبراهيم ناجي:
والبلى أبصرته رأي العيان
 ويداه تنسجان العنكبوت
 قلت يا ويحك تبدو في مكان
كل شيء فيه حيُّ لا يموت
ولقد ودّعنا مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وحالنا كمن قال:
 ودّع الصبر امرؤٌ قد ودّعك
 ذائع من سرّه ما استودعك
وعجبت لبعض الفقهاء يقولون عن زيارة المدينة ليست من مناسك الحج، ولكنها على اليقين من مناسك الإيمان، لأن حبه صلوات الله وسلامه عليه، بأبي هو وأمي، هو باب الهداية وثمرة الدين ومدخل الصراط المستقيم..

وعند ميقات ذي الحليفة على مشارف المدينة المنورة بدأت قصة العمر مع مناسك الحج، وكأنه الخروج من دار الدنيا إلى دار الآخرة، فالاغتسال والإحرام والتلبية إيذان بالتخلي عن مباهج الحياة الدنيا وزخرفها، والعودة إلى الفطرة الأولى حيث أخلاق رحمة الإسلام الشاملة التي يحرم فيها إسالة الدم، وتتساوى حرمة الروح بين القمل والطير والحيوان والإنسان..
وعلى طريق الأربعمائة كلمتر بين المدينة المنورة ومكة لمكرمة، كنت أتلمس معالم طريق الهجرة، وهناك مدينة كبيرة عند البئر التي ما زالت جارية إلى اليوم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفل فيها، يسمونها بئر "الدفله"، أمّا أم معبد فقد أصبحت قبيلة كبيرة ينتسب لها آلاف الرجال يعرفون ب"المعبّدي"..
وبعد التنعيم اشرأبت الأعناق لرؤية البيت العتيق، وهيهات فالمكان المقدس حجبه "برج الساعة" ومجمعات من الفنادق الشاهقة التي أراد بها القائمون على الأمر تيسير السكن للحجاج قرب المسجد الحرام، ولكنها بنظري المتواضع أفسدت رهبة القدوم إلى الكعبة المشرفة، ولو أن القائمين على خدمة الحرمين أعادوا النظر، لكان الأولى أن تسوى جميع الجبال حول الحرم، ويتم إبعاد هذه الأبراج الشاهقة التي تغطيه مسافة كلومترات، ويعاد معمار المنطقة بحيث تكون الكعبة أول ما يشاهده القادم، وفي القطارات السريعة ومتروهات الأنفاق مندوحة عن هذا التكدس الذي يشوه جلال المكان..
ومن مشاهد الحج التي يحس فيها المرء بانكشاف الحجب بين العبد وربه لحظة تسلم نفسك لموجات الطائفين بالبيت العتيق، فقد أصبحت تسير عكس عقارب الساعة، والسقف المفتوح في صحن الكعبة يشعرك أنك في مواجهة رب العالمين بكل جلاله وكماله، وأنت بكل ضعفك وصَغارك أمام علّام الغيوب قد انكشفت سوءاتك، لا يسترك إلا عفوه الجميل...
أما مشهد العرض يوم القيامة ففي يوم الحج الأكبر على صعيد عرفات، ولو قدّر لك أن تسير على قدميك بين الملايين التي تفيض من المكان بعد الغروب، وأصوات الدعاء والتلبية والتكبير تملأ عنان السماء، فإنك ستشعر بمعنى أن الله تعالى يباهي بأهل عرفة ملائكته في السماء..
وهنا لا بد أن أعبّر عن جليل الامتنان الذي يشعر به المسلمون الذين جاءوا من كل فج عميق، تجاه خادم الحرمين الشريفين وعائلة آل سعود المباركة التي وفقها الله للقيام بجهود جبارة لتنظيم هذا المؤتمر الديني الذي لا نظير له عبر العالم، فمئات آلاف العاملين في تأمين الحجاج، وعشرات الشوارع الفسيحة التي تحفها الحمامات ومياه الشرب، ومروحيات التهوية والتبريد في كل مكان، وأنظمة التفويج التي تراقبها الكاميرات والطائرات..كل هذا يسّر على الناس أمرا كان عسيرا..
وفي مكة المكرمة ما زلت تسمع عن الحجون وكداء ...وهي مواضع حفظها الشعر وكتب التاريخ، وفي أحيائها القديمة بعض الشوارع الضيقة والمنحدرات الشديدة، وعندما تمر من هنا فإنك ستعرف معنى "أهل مكة أدري بشعابها"
 وفي حرارة هذه البلاد الشديدة ومناخها القاسي دليل على أن الصحراء تنبت الأنبياء، وكأنما حرارة الإيمان وحدها هي ما يمكن أن يوازن قيظ الصحراء، وتلك قصة الحضارة التي أكدها ابن خلدون وغيره من أن الدعوة الدينية تسمو بالعصبية القبلية، وتزوّد العمران البشري بدماء جديدة كلما أنهكه الترف..
ومن الأماني التي حال دونها التعجّل وبعض التوعّك والحمّى، زيارة مهبط الوحي في غار حراء، ومن الخواطر البدعية التي عرضت  لي أن الناس لم يعطوا لهذا المكان الذي شهد أول عناق بين الغيب والشهادة ما يليق به من التبجيل، وعجبت لقوم يطلبون ليلة القدر شهرا كاملا وهي ظرف زماني لنزول الوحي، ولا يخصون مكان التحنث الأول وبداية الوحي بما يليق من التكريم..
ولا بدّ لي قبل أن أطوي الكلام، وللحديث تتمة إن كان في العمر بقية، أن أكرر الطلب إلى الأسرة المباركة التي شرفها الله بخدمة الحرمين أن تعيد النظر في عمارة هذه البقاع المقدسة، بما يعيد لها رونق التاريخ ويحيي الآثار ويعتمد استراتيجية للسياحة الدينية، وخصوصا في ظل رؤية المملكة 2030 التي يتحدثون عنها اليوم..
ولقد دعوت الله أن يحفظ تلك البلاد وينقذها من المكائد التي يحيكها أعداء الأمة للنيل من بيضة الإسلام، ورجوته أن يمنّ عليها وعلى بلادنا وبلاد المسلمين بالأمن والأمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه..
وإن كان لي من نصيحة لمن ينوي الحج؛ فهي المبادرة في سنّ مبكرة، لأن القدرة البدنية مطلوبة في أداء المناسك تماما كالقدرة المالية، ومهما قلنا في تيسير الحج فما زال فيه من المشقة ما لا يقاومه إلا الأبدان القوية..ولا أظن أحدا يزور تلك الديار إلا وأصبح كل همه العودة إليها..
وقد ودعنا مطار جدة ونحن نقول مع صاحب الموشّح الأندلسي:
 جادك الغيث إذا الغيث هما
 يا زمان الوصل بالأندلس
 لم يكن وصلك إلا حلما
 في الكرى أو خلسة المختلس
تقبّل الله منّا ومنكم
 محمد محمود ولد سيدي يحي