Translate

الثلاثاء، 17 سبتمبر، 2013

حرب المجنون على القوي! "مقالات في الحرب والاستراتيجية" للمقدم محمد المختار ولد بيّه




قراءة: محمد محمود ولد سيدي يحي


"..لأننا لسنا عباقرة، ولأننا ندرك حدود قدراتنا وجسامة المهامّ الملقاة على عواتقنا كقادة في جيش يتحمل أعظم وأشرف المسؤوليات وهي الدفاع عن الوطن، يتوجب علينا بذل ما أمكننا من جهد للارتقاء بمعارفنا وقدراتنا الذهنية والبدنية للاضطلاع بتلك المهمة النبيلة"
بهذا التواضع الجمّ استهل المقدّم محمد المختار ولد بيّه كتابه "مقالات في الحرب والاستيراتيجية" الذي صدر مؤخرا عن مكتبة القرنين في نواكشوط.
ورغم أن العنوان متواضع "مقالات.."، إلا أن المواضيع التي تناولها الكتاب شملت أهمّ الإشكاليات التي تثيرها ظاهرة الحرب، بدءا بتعريفها ومرورا بأسبابها و استراتيجياتها وانتهاء بأشكالها المعاصرة مثل الحرب النفسية والحرب على الإرهاب أو ما يسمى الحرب "الاسيمترية".
ويحدّد المؤلف مجال حديثه قائلا "إن ما نحن بصدد تناوله هو دراسة مفهوم الحرب بماهي تعبير عن علاقة ذات سمات عنيفة بين كيانين سياسيين أو أكثر، وهذا ما يستبعد مختلف أشكال النزاعات الأخرى"
 ويعرّف الحرب بأنها "قتال مسلح بين الدول يهدف إلى تحقيق أغراض سياسية أو قانونية أو اقتصادية"
وبعد أن عرض المؤلف ويلات الحرب ومساوئها التي لا تحصى، خلص بالقول: "وفي المطلق تظل الحرب شكلا من أشكال العلاقات الدولية عنيفا  بلا شك ولكنه دارج رغم كل الدعوات إلى نبذه وإحلال آليات التفاوض والاحتكام إلى القوانين الدولية بدل تحكيم السلاح، ورغم معاهدات السلام التي تعدّ بالآلاف نقول مع "بوتول":
 "إن الإنسان لا يتغير والحرب هي هي، وإن كان السلاح النووي قد قلّص سلطانها نوعا ما، فقد ترك مع ذلك مناطق ذات تربة خصبة لحروب العصابات والنزاعات المحدودة التي أسفرت عن نشوب 146 حربا صغيرة عاثت في الأرض فسادا منذ 1945 وأزهقت أرواح 30 مليون إنسان بشكل غير معلن..وفي إفريقيا تفيد دراسة بعنوان "مليارات إفريقيا الضائعة" أن النزاعات المسلحة شملت من 1990 إلى 2005 ثلاثة وعشرين بلدا وكلفت القارة 300مليار من الدولارات عدا الخسائر البشرية"
وفي تحليله لمفهوم الحرب عند الجنرال الألماني  "كلاوزوفيتس" عاد المؤلف إلى تعريف الحرب بأنها "فعل عنيف يهدف إلى إرغام الخصم على تنفيذ إرادتناّ" ولا تقوم الحرب إذن صدفة ولكنها تقوم لأسباب لا يمكن أن تكون إلا سياسية، فالحرب مواصلة للسياسة بوسائل أخرى... ورغم الصور العديدة الممكنة فإن توقف العدوّ عن القتال مستسلما أو طالبا وقف المعارك هو التعبير الأكثر وضوحا عن انتصارنا"
ويوضح المؤلف مستويات الاستيراتيجية العسكرية بعد تحليل تاريخي بالقول "يحدّد المستوى السياسي الغايات والخصوم ولكن نتائج المجابهة الميدانية على المستوى التكتيكي بنجاحاتها وإخفاقاتها هي التي على ضوئها وبدرجة كبيرة يأخذ المستوى العملياتي شكله ويضع خططه، وبالتالي يؤثر على المستوى الاستيراتيجي العسكري الذي يجعل المستوى السياسي يغيّر أو يتابع أو يعيد ترتيب أهدافه"
وقدّم المؤلف أمثلة للاستيراتيجيات والمدارس العسكرية، مثل المدرسة البحرية البريطانية التي تعتمد الاستيراتيجية غير المباشرة، على نقيض المدرسة الألمانية التي اشتهرت بالاستراتيجية المباشرة والهجوم الشامل والطابع العنيف، بينما تردّدت الاستراتيجية العسكرية الفرنسية بين تمجيد الدفاع و"القوى المعنوية" وأهمية الهجوم، وفي المدرسة الشرقية تميّز العرب المسلمون بالمزاوجة بين المجابهة والاحتواء واستخدام أسلوب الدعوة مع أهمية العقيدة الدينية التي تشحن المقاتل بروح التضحية وتحوّله إلى مجاهد في سبيل الله، وكأداة لهذه الاستراتيجية نجد تكتيكا يتميز بالسرعة والخفة والكر والفر على عادة العرب في الجاهلية، وبالنسبة للمدرسة الصينية تميل الاستراتيجية  إلى الأسلوب غير المباشر والاقتصاد في الخسائر وإعطاء الأهمية القصوى للاستخبارات.
 وقد ناقش المؤلف تأثير ظهور السلاح النووي على الاستيراتيجيات العسكرية اليوم، "حيث أصبح الردع أي فرض عدم اللجوء للقوة هو الصيغة الوحيدة المعقولة لاستعمال أسلحة الرعب"، رغم أن السلاح النووي لا يمنع من تفتت الدول ولا يحميها بل قد يكون عبئا عليها أحيانا.
ووضّح المؤلف تأثيرات ما بعد الحرب الباردة وانفراد أمريكا والحلف الأطلسي بالهيمنة العسكرية مما أدى لتراجع خطر الحروب الشاملة.
 وخصص المؤلف مقالا للحرب النفسية التي تمكّن من التسلل إلى جسم العدو والفتك به والفتّ من عزيمته، وذلك من خلال زرع الشكوك لديه في شرعية موقفه السياسي والأخلاقي، وتشكيكه في إمكانية نجاحه وبلوغ أهدافه، واستخدام الدعاية والإعلام في ذلك..
 وفي مقاله حول الحرب الأسيمترية يعالج المؤلف ظاهرة معاصرة هي ما يعرف بمحاربة الإرهاب و"هي الحرب التي تواجه فيها دولة بجيشها وقواها الأمنية المنظمة مقاتلين أدنى تسليحا وتنظيما يستخدمون نقاط ضعفها لإيذائها ما أمكنهم ذلك خدمة لأهداف غالبا ما تكون سياسية أو دينية، وتتضمن الحرب الأسيمترية أنماطا متنوعة من طرق العمل تتراوح بين العنف المحض إلى الدعاية ضد الخصم وحتى إلى المقاومة السلمية كالعصيان المدني والتظاهر والإضرابات.." وهو ما يسميه البعض حرب الضعيف على القوي أو حرب المجنون على القوي..
وتعتبر الحرب الأسيمترية شكلا جديدا متعاظما يفرض على الدول مراجعة سياساتها الدفاعية وعقائدها العسكرية، وتحتاج مقاومة هذا النوع من الحروب "تصوّرات متكاملة لنزع فتائل الأزمات والاحتقانات من حقول الاجتماع والاقتصاد والسياسة وغيرها من ميادين تنمو فيها بذور كل ما هو شاذ وخطير على أمن البلاد، فلا يكون آخر الدواء أوله، ويرافق ذلك التركيز على الأساليب الأكثر فاعلية في هذه الحرب وهي العمل الفكري والاستخباري المبدع أكثر مما تحتاج للدبابات أو الطائرات".
 وقد ختم المؤلف كتابه بملاحق تعيد متصفحه إلى المجال الثقافي الحضاري الذي ينتمي إليه؛ فمعركة الزلاقة بما تحمله من تراث المرابطين المجيد، ورسالة عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما حول أخلاق المجاهدين؛  كانت ملاحق جاء اختيارها مناسبا وأصيلا.
ويمكن القول إن المقدّم محمد المختار ولد بيّه استطاع بأسلوبه الواضح العميق عبر 180 صفحة من الحجم المتوسط أن يقرّب القارئ العادي من مفاهيم عسكرية وأمنية غاية في التخصص، وأن يعطي صورة ناصعة عن مستوى الكفاءة الذي يتمتع به طاقم التأطير والتكوين في المؤسسة العسكرية الوطنية، التي أصبحت خلال السنوات القليلة الماضية رقما مهمّا يحسب حسابه في المعادلة الإقليمية.

لقد ظلّ المخيال الشعبي الموريتاني يفصل ما بين السيف والقلم حيث يقال: "إن الناس لا يعيشون إلا في ظل كتاب أو ركاب"، وفي عصر ثورة المعلومات يبدو أن هذا الفصل لم يعد ممكنا لأن المعرفة أصبحت هي السلاح الأول في يد الإنسان.

الخميس، 18 يوليو، 2013

صوم العوامّ !

صوم العوامّ !

 محمد محمود ولد سيدي يحي


اعلم وفقك الله لصيام هذا الشهر وقيامه أن صوم العوامّ عندنا مظنة الأجر والثواب إن شاء الله، لأن الأصل في الصيام هو المشقة وهؤلاء أمة مخصوصة بصنوف المشقات النفسية والبدنية في هذا الشهر وغيره.

 ولا داعي هنا لذكر ما يعانيه صغار الموظفين والعمال البسطاء وعامة الموريتانيين من مشاكل اقتصادية في الشهر الذي أصبح عنوانا للاستهلاك بعد أن أراده الشارع الحكيم موسما للزهد والتقشف.

وأكثر المشقات عنتا في الشهر العظيم اختلال برامج النوم والسهر الاضطراري، وخصوصا لأهل الأعمال والأشغال ومن لا يملكون فرصة القران بين الصوم والنوم، وهي فسحة اختص الله بها أهل البطالة والفراغ، على ما فيها من تضييع الصلوات والإخلال بالمعاني الدينية للشهر الفضيل والعياذ بالله.

ومنهم من يرى أن عظيم أجر هذا الشهر الفضيل على مشقتين خفيتا على الناس؛ أولاهما عرق يتصبب عند الإفطار فيذهب عن الصائم فرحته بانقضاء يومه والتحلل من صومه، والمشقة الثانية ذلك الاستيقاظ الضروري لتناول أكلة السحور لأنه على ما فيه من البركة ثقيل على نفوس من لم يتعودوا قيام الليل وصلاة الفجر في الجماعة وما أكثرهم.

ومن المشقات التي لا يتحملها إلا من جعل الله قرة أعينهم في الصلاة، صلاة التراويح وما أدراك ما صلاة التروايح؛ فشقاء بعضنا معشر العوام ببعض الأئمة ممن يطيلون القراءة ويراعون الأمداد الطويلة ومخارج الحروف يفوّت علي كثيرين نعمة الاستماع لكلام الله، فإذا اجتمعت شدة الحر وضيق المساجد مع إطالة الإمام فإن الضجر يحل محل التدبر والتفكر عافانا الله وإياكم.

 ومن أئمة التراويح طائفة بكاؤون على مذهب بعض أهل المشرق لا يراعون في دمعهم وخنينهم ما بين آيات الوعد والوعيد، ولهؤلاء مريدون وزبناء يهاجرون إليهم من أقاصي المدينة يبكون ويتباكون، وهم بلاء عظيم لمن جمعه الله بهم ممن أصابه داء قسوة القلب وهو مرض عمت به البلوى عصمنا الله وإياكم.

ولعل من المصائب التي تكاد تذهب بأجور الفقراء والعوام في هذا الشهر ما يشغلهم في عشره الأواخر وهي موسم الحصاد في عبادة الصوم، فهي تمر عليهم سراعا على جمر الاستعداد لعيد الفطر ومتطلباته الاجتماعية التي تنوء بها كواهلهم.

ولو أننا معشر العوام صرفنا النية الخالصة في مشقات الصوم ومجاهداته الكثيرة تقربا إلى الله تعالى لكان أجرنا مضاعفا إن شاء الله، وعزاؤنا الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"


رزقنا الله وإياكم إخلاص النية في جميع الأعمال والأقوال، وجعلنا وإياكم ممن صام هذا الشهر إيمانا واحتسابا فغفر له ما تقدم من ذنبه إنه سميع مجيب.

الخميس، 11 يوليو، 2013


حب المساكين

محمد محمود ولد سيدي يحي


من طرائف أقوال ابن حزم الأندلسي في كتابه البديع "طوق الحمامة في الألفة والألّاف" تأكيده أن الحبّ والكره عواطف اضطرارية لا شعورية ومن ثم فإن الأحكام الشرعية كالوجوب والمنع والحلية والتحريم لا تتعلق بها.
ويستأنس الفقيه الظاهري في ذلك بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عدله بين نسائه في الأمور الظاهرة واعتذاره عن ميل قلبه إلى عائشة من بينهن بقوله "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك".
ورغم أن حب الله ورسوله شرط في الإيمان كما تضافرت على ذلك النصوص المتكاثرة، إلا أن حقيقة الحب هنا ليس ذلك الميل القلبي الاضطراري  المرتبط بالعاطفة وإنما هو حب عقلي مبني على الاقتناع  ويقتضيه التعظيم، والمعروف أن التصديق الديني بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم متلازم مع التعظيم والإعجاب الذي يثمر الاقتداء والمتابعة.
 وإذا كان المتصوفة قد جعلوا من الحب الإلهي طريقهم للترقي في مقامات اليقين، فإن حب الضعفاء والمساكين ظل مرتبطا بالزهد والتواضع وروح الإحسان، ومن هنا فإنه لم ينل من الاهتمام ما نالته أنواع الحب الأخرى.
 ويسود لدى الغربيين وأبناء الحضارة المسيحية اعتقاد أن الشعوب الشرقية عالة في الحب على التصوف، ويتهمون العرب رغم ما سطره شعراؤهم من غزل عذري وغيره من المقدمات الطللية، يتهمونهم بالجلافة وجفاف العاطفة، ويستشهدون بمقولة عمر بن الخطاب المشهورة للرجل الذي جاء يشكو جفاء زوجته "إنما يأسى على الحب النساء".
صحيح أن حب الشهوة والرغبة الذي يكون بين الجنسين من طبائع البشر كما قال ابن حزم ولكن أنواع الحب الأخرى تحمل معان مختلفة ولعلها مرتبطة بدرجة الحساسية العاطفية التي تختلف بين الأفراد.
ويستدل علماء النفس المعاصرون على التعاطف الفطري بين البشر بالاستجابة الفورية التي تحدث لدى الأطفال عندما يشاهدون أترابهم يبكون، ومن هنا فإن حالة الرثاء لحال الضعفاء والمظلومين طبيعية في بني آدم بغضّ النظر عن اللون واللغة والدين، وهي عاطفة إنسانية لا تضعف في نظر المختصين إلا لدى الأشخاص الذين عاشوا جفافا عاطفيا في تربيتهم منذ الصغر ولم يشبعوا من حنان الأبوين التلقائي بسبب التفكك الأسري أو الاضطهاد و فقد العائل.
ولا ينفي بعض المحللين الغرض المادي عن حب البشر لبعضهم وخصوصا منه ما كان شفقة، لأن دافعه عندهم هو الحرص على الذات والخوف عليها من معاناة آلام مشابهة.
وقد وصل التطرف ببعض اليساريين الماديين إلى اعتبار الحب ترفا بورجوازيا رغم أن دافعهم لهذا القول هو الحمية للفقراء والكادحين.
وربما دفع هؤلاء إلى موقفهم الجاف يأسهم من حب الفقراء والمحتاجين لأن النفس البشرية مولعة بحب العظماء والناجحين ميالة إلى ازدراء المهمشين ومن يعيشون في أحوال رثة.
 ولاشك في أن سوق الحب في غالبها مادية المعايير ولو قمنا باستطلاع بين الفتيات حول سمات فتى الأحلام المحبوب لكان المال والسيارة الفارهة والمسكن الفسيح من أول المعطيات التي تجمع عليها الأغلبية الساحقة.
وحدهم السياسيون ملزمون بالتنافس في التعبير عن حبهم للفقراء والمساكين لأن هؤلاء غالبية المصوتين وخصوصا في البلدان الأكثر فقرا، ولكن البون يظل شاسعا في كثير من الأحيان بين من يقدم دليلا على حبه وبين مزاعم الحبّ الجوانية التي لا تتجاوز التعبير اللفظي أو الأغراض الانتخابية.
ولا جدال في أن حب المستضعفين ليس من الأنواع التي تدخل في باب الحب الذي لا يتأتى أجره إلا بالكتمان كما في الأثر الذي اختلف فيه المحدثون"من أحب فكتم فمات فهو شهيد" وقد نظمه أبو نواس في سنده المكذوب حينما قال:
 ولقد كنا روينا
عن سعيد عن قتاده
عن سعيد بن المسيّب
 أن سعد بن عباده
قال من مات محباّ
 فله أجر شهادة
ويمثل شهر الصيام بمعانيه الرفيعة في التعالي على الشهوات موسما إنسانيا للتعاطف مع الضعفاء والمهمشين والمظلومين، ومن هنا فإن ثلاثية الصيام والقيام والإطعام من مظاهر الشهر الكريم..
ولا يعني حب المساكين والفقراء في المفهوم الديني والإنساني الصحيح مجرد تعاطف أوشفقة ينتج عنها إحسان عابر، وإنما يضيف حبا حقيقيا كما في الحديث "أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ومن هنا فإن الاتجاه المطلوب في شهرالصيام ليس  مجرد تخفيف المعاناة وإنما السعي إلى  تغيير ظروف هؤلاء وإشراكهم في خيرات طالما استأثرت بها ثلة قليلة من دونهم.
لقد آن لحب المساكين أن يكون توجها عاما ليس لبرامج الدولة فقط وإنما لاستثمارت رجال الأعمال، ولعل من المخزي أن يكون إنفاقنا على السياسة ومواسمها أكبر من إنفاقنا على الكوارث والمحن التي يمر بها المساكين والمهمشون.
ويكفي من الفضائح أن يكون العمل الخيري غائبا عن اهتمامات أثريائنا بينما تسرح وتمرح تحت شعاره منظمات وهيئات من جميع البلدان ومختلف الأديان، تحت مسميات وأغراض لا يعلمها إلا الله.
ولو كان حب المساكين أمرا سهلا لما جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه حيث قال: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وإذا أردت فتنة عبادك أن تقبضني إليك غير مفتون"
رزقني الله وإياكم حب المساكين والحمية للمستضعفين، في شهر الصيام وخارجه إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

الاثنين، 12 نوفمبر، 2012

د.محمد المحجوب ولد بيّه "المقاومة السوننكية" أو تصحيح التاريخ






 محمد محمود ولد سيدي يحي


شكّل صدور كتاب الدكتور محمد المحجوب ولد بيّه "المقاومة السوننكيه للاستعمار في كيدي ماغه"  إضافة هامة إلى المكتبة الوطنية.

ويبدو أن الوزير والسفير السابق قرر أن يمثل استثناء لقاعدة سيئة جرى بها العمل في بلادنا، وهي أن يقتصر تناول تاريخ وثقافة كل مجموعة عرقية في البلاد على أبنائها، وذلك ما جعل الحوار الوطني والتعارف الثقافي بين مكونات هذا الوطن ضحية لمونولوج ذاتي منغلق رسخه إهمال الباحثين والمثقفين، واستغلته الانتهازية السياسية أبشع استغلال.

ويتناول الكتاب الذي نشرته مكتبة القرنين15/21 وثيقة نادرة كتبها أحد الإداريين الفرنسيين يسمى غوستاف أودان سنة 1908 يستعرض فيها مشايخ المحاظر والطرق الصوفية في كيدي ماغه ومواقفهم من الاستعمار الفرنسي.

وتوضح الوثيقة مستوى الرفض الكبير لدى القيادات الدينية في مجتمع السوننكه للاستعمار الفرنسي حيث أن 103 من الشيوخ من أصل 135 شيخا كانوا مناهضين للوجود الفرنسي، وجاءت ملاحظات الإداري حولهم دالة حيث  وصفهم بالأعداء وأوصى بمراقبتهم مراقبة مشددة.

وتعرض الوثيقة للتصرفات الوحشية للجيش الغازي الذي لجأ إلى إحراق القرى والمكتبات مما جعل شيوخ المحاظر في المنطقة يلجأون لإخفاء كتبهم.

ورغم أن الدراسة التي قام بها الدكتور محمد المحجوب للوثيقة كانت موجزة، إلا أنه ساهم بمجهود قيّم في تعريف قراء العربية بالمجتمع السوننكي، ورصد محطات مقاومته للاستعمار الفرنسي، وهنا تبرز أسماء بارزة مثل براما ديانكو، وديريكو فوليل، وفودي إسمايمه الذي أصبح اسمه يمثل في كل أنحاء بلاد السوننكه التمرد والجهاد ضد الفرنسيين، وما إن بدأت دعوته تؤتي أكلها في الزوايا السوننكه حتى ألقى الفرنسيون عليه القبض وحكموا عليه بالسجن10 سنوات، وتم نفيه إلى ساحل العاج سنة 1911 حيث ظل هناك حتى استشهد.

 وقد عقب الدكتور امبوستا جاكانا على الدراسة بالقول "إن تناول مقاومة علماء ومحاظر السوننكى لدخول الاستعمار يحمل من وجهة نظري معنى خاصا؛ هو تصحيح التاريخ، فأكاد أقول إن أكثر آلام موريتانيا ناتجة إما عن الجهل بالتاريخ وإما عن تفسيره تفسيرا متحيزا، إننا لا نجد مجاهدا أو عالما سوننكيا مذكورا في مقرراتنا المدرسية أو الجامعية ما عدا ممادو لامين ادرامى، مع أن أبحاث الدكتور المحجوب ولد بيّه أثبتت أنهم كثيرون جدا.. كما يفند الكاتب حكما مسبقا آخر هو الاعتقاد بأن طلاب السوننكى وحتى البولار والبمباره الذين يرتادون المحاظر كانوا "حالات معزولة"

ويخلص الدكتور جاكانا للقول "إن المؤلف د. محمد المحجوب ولد بيّه باتخاذه من كيدي ماغه موضوع دراسته يضفي على المنطقة بعدا رمزيا يجعل منها فضاء للتمازج والتكامل بين الموريتانيين، ففي كيديماغه نجد فضلا عن السوننكى جميع مكونات البلد تتعايش في وئام وانسجام رغم صروف السياسة العابرة، والحقيقة أن موريتانيا ذاتها بموقعها الجغرافي هي محصلة لمكوناتها الثقافية والبشرية العربية الصنهاجية الزنجية والإفريقية المتمسكة أيّما تمسك بإسلامها الموحّد الجامع، وموريتانيا قوية بهذا الاتحاد والتمازج، لنتذكر جميعا تلك النماذج مثل واراجابي وآمدو جني مجاهدي التكرور، وحرب شرببه، واعل ولد الأمير محمد لحبيب والأميرة جنبت، والآزير تلك اللغة المزيج بين السوننكية والصنهاجية.."

وقد أشفع الدكتور محمد المحجوب ولد بيّه تحقيقه للوثيقة وترجمته لها إلى اللغة العربية بوثيقة أخرى هي خطاب السيد جاورا صار أمام المجلس الفرنسي الكبير حول تعليم اللغة العربية سنة 1949، حيث طالب السلطات الفرنسية بدعم تدريس اللغة العربية في موريتانيا، ومما قاله هذا الإطار السوننكي في ذلك الوقت المبكر: "شئنا أم أبينا سيظل الموريتاني دائما يسعى إلى تحسين مستواه في لغته العربية من دون أن يعني ذلك أنه يكن رغبة خفية في أن يصبح تابعا لدولة من الدول العربية، إن تمسكه يظل قويا في نطاق ما يسمح له به دستور الجمهورية الرابعة بعادات وتقاليد أسلافه القديمة ومعتقداته الدينية ومن ثم بشخصيته الخاصة.."

وفي خاتمة الكتاب يقول الدكتور محمد المحجوب بتواضعه المعروف "لقد تبينت خلال دراستي لهذه الوثيقة عدة أمور؛ أولها قصور معرفتي بتاريخنا الوطني رغم أن وعيي بأهمية دراسته والاعتناء به كان مبكرا، وكان هذا الإدراك يتجلى كلما اكتشفت معلومة جديدة ترسخ إيماني بثراء وعراقة شعبنا، ومما آسف عليه أنني قد لا أكون استثناء بين الموريتانيين؛ فنحن جميعا بحاجة ملحة لمعرفة تاريخنا وجهاد آبائنا وأجدادنا ومقاومتهم للغزو الأجنبي، وإن كنا نعرف عنه القليل فغالبا ما يكون عن الجانب المسلح أما الجانب الثقافي منه فقليلا ما أوليناه أهمية؛ فكيف إذا كان الجهاد الذي قام به أهل كيديماغه"

ويعتبر كتاب الدكتور محمد المحجوب ولد بيه إضافة ثقافية وعملا وطنيا بامتياز ينتمي إلى تاريخ الرجل ونضاله في الحركة الوطنية الديمقراطية الذي رسم لنا جوانب ممتعة منه في كتابه الشيق "أتذكر" والذي صدر سنة 2004، وحوى مشاهد من الحراك السياسي والفكري لموريتانيا السبعينيات.

وقد قرر الدكتور محمد المحجوب أن يستكمل الفكرة الرئيسية للكتاب في عمل أكثر شمولية تحت عنوان " موريتانيا جذور وجسور؛ المقاومة السوننكية للاستعمار في كيديماغه" وهو العمل الذي فاز مؤخرا بجائزة شنقيط للآداب للعام الحالي.

وقد علق  الباحث السفير محمد سعيد ولد همدي في تقديمه لكتاب الدكتور محمد المحجوب ولد بيّه قائلا "أنا على يقين يا صديقي السفير ولد بيّه، أنكم في آخر خدمتكم الطويلة، ستستطيعون من خلال عملكم في اليونسكو ملتقى الاعتقادات والثقافات والحضارات التي تباعد بينها المسافات الشاسعة وشتى السدود، أن تساهموا في توعية الذاكرات والهويات الوطنية الموريتانية الأربع بحقيقة اتحادها في المشرب والعاطفة، بل إنها في الحقيقة توائم وكتابكم "موريتانيا جذور وجسور" يمثل بلا شك قاعدة لذلك وخطوة أولى في سبيله، والخطوات الأولى هي الأكثر أهمية"

ولا شك في أن التركيز على العمل الأكاديمي لمد جسور الوحدة الوطنية بين المكونات العرقية والثقافية للدولة الموريتانية عمل رفيع ما زال في حاجة إلى جهود كبيرة، وقد كنت طالبت قبل سنوات في كتاب "المجتمع الفضفاض" باعتماد مقرر دراسي في المرحلة الإعدادية  يسمى "الثقافة الوطنية" يتعرف فيه الطلاب على مبادئ وعبارات من جميع لغاتنا الوطنية، ويتم فيه التعريف بالمرويات الشعبية والأمثال والعادات المتنوعة في هذا البلد، لأن "التعارف" هو بوابة المحبة والترابط العميق؛ كما قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}

الاثنين، 14 مايو، 2012

كيمياء السعادة


محمد محمود ولد سيدي يحي

كان من طرائف حياة الطلاب أيام المنحة والدراسة بالخارج أنهم اجتمعوا على عادتهم للمناظرة والنقاش إحدى المرات فقال قائل منهم: كيف تعرّفون السعادة؟ فتبارى الجميع يعددون أنواع المطالب والأحلام الخصبة التي امتلأت بها أذهانهم، وكان من بينهم شابّ غريب الأطوار متميز العادات والأفكار، فلما انتهى إليه الكلام قال:
 السعادة أيها الأحباب؛ هي أن أنتهي من تناول الطعام في صينيتي بمطعم الجامعة يوم يقدم الدجاج، فأنظر إلى الطابور فإذا هو قليل فأعيد الكرة فأحصل على صينية ثانية، فانفجر الحاضرون بالضحك.
 وقد احتفظ الطلاب في ذلك القطر بكلمة السعادة تعبيرا عن كل من يعيد الكرة فيتناول وجبة ثانية في مطعم الجامعة.
يقول المثل الحساني "لا يوجد من هو أكبر من حاجته"، والمتأمل في حياة الطلاب و ما يعانونه من الصبر والانتظار في طابور المطعم الجامعي الذي يستقبل الآلاف منهم في ساعات قلائل يعلم كم هي سعادة عظيمة أن يشبع الطالب من وجبة يفضلها، وقديما استهجن نقادنا القدامى على أمير شعراء الجاهلية امرئ القيس قوله عن غنمه:
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا
وحسبك من غنى شبع وريّ
وفضلوا عليه قوله:
ولكنما أسعى لمجد مؤثّل
 وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
ولكن النقاد يحكمون على المعاني معزولة عن سياقها، ويظلمون الناس ويبخسونهم أشياءهم، وقد علموا قصة الملك الذي باع نصف ملكه في شربة ماء، فلما حبس عنه البول باع نصفها الباقي في تيسير خروج البول!!
غير أن أمر السعادة أمر عظيم حارت فيه عقول ذوي الألباب، ومازال ميدانا مفتوحا لم يصل البشر فيه إلى فصل الخطاب.
وإذا كان حكماء المسلمين القدامى من أمثال أبي نصر الفارابي وأبي علي بن سينا وأبي بكر بن باجه، قد رأوا السعادة  في  تأمل الأفكار المجردة  وانصراف الذهن إليها، فإن حكيم شعراء العربية أحمد بن الحسين المتنبي فطن قبلهم إلى أن تمام الوعي ووضوح الأفكار قد يكون مدخلا من مداخل الشقاء والعناء، وخصوصا لمن يمنعه سوء الحال من تحقيق عظيم الآمال حيث قال:
 وذو العقل يشقى في الحياة بعقله                                                                                                  
 وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
  إلا أن احتساب فضائل الجهل ونعيم الغفلة على طريقة المتنبي مقصور على من سدّ الله شهيتهم للمعرفة وطلاب المعالي، وهي أمور نسبية تختلف باختلاف التربية وعادات المحيط.
وقد اختلف فلاسفة اليونان في أمر السعادة، فانقسموا فريقين قاد أولهما تلاميذ "أبيقور" الذين زعموا أن سعادة المرء تقبل القياس من خلال كمّ اللّذات التي يحصل الإنسان عليها وعدد الآلام التي يتجنبها، بينما اختار الفريق الثاني الذي قاده فلاسفة الرواقية ربط السعادة بالشعور الذاتي وإحساس الإنسان الشخصي بما يعيشه ويواجهه؛ فكم من شخص يكابد شظف العيش في نظرنا بينما يرى في ذلك عملا عظيما أو أداء واجب يمدحه الناس فينقلب ما نراه من عذاب ومشقة خارجية إلى سعادة وسرور غامر، وذلك هو حال المريد في خدمة الشيخ والمدافع عن حياض الوطن والقبيلة وهو يبذل ماله ونفسه في الذود عن أمته أو قبيلته.
ولعل هذا المذهب الثاني هو ما رجحه أسلافنا من المتصوفة الذين اعتبروا مطالب اللذة والجسد فانية زائلة، فقضوا بمجاهدتها وعدم الانسياق وراءها، ووصفوا سعادة تحصل بين جوانحهم لو علم بها الملوك لسيّروا الجيوش لمقاتلتهم عليها، وقد كانت مقامات السائرين لمعرفة الله تعالى عند القوم نوعا من "كيمياء السعادة" حسب تعبير حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في إحدى رسائله الشهيرة.
ولا جدال في أن السعادة لم تعد اليوم جدلا فكريا فلسفيا بين الفلاسفة والحكماء لأنها تحولت مع الروح الدنيوية السائدة لدى البشر إلى مطلب لا يفكر الناس في تأجيله ليوم الدين على طريقة المؤمنين.
وقد لعبت الصورة التي يعمل على تجميلها المخرجون والألاعيب البصرية للإشهار والإعلان دور إذكاء أحلام الناس في ظل ثقافة العولمة التي لا تدّخر جهدا لسلب القلوب والجيوب في الحصول على سعادة أرضية ملموسة في مجتمع الرفاه والاستهلاك.
وتكفّلت الديموقراطيات العصرية بإشاعة خطاب سياسي ديماغوجي يدّعي العمل على إسعاد الناس وتحقيق أحلامهم التي أذكتها ثقافة الصوت والصورة.
وربما كان معظم أشكال الشقاء التي عكستها الأمراض النفسية التي يعاني منها حسب آخر الإحصائيات ثلث سكان المعمورة وبلادنا من ضمنهم، ربما كانت دليلا على شقاء الوعي الذي يعانيه ملايين الذين أصبحت الأشياء الجميلة والمريحة تتكرر على مسامعهم وأبصارهم كل يوم دون أن يكون في مقدورهم الحصول عليها.
"كن جميلا ترى الوجود جميلا"
تلك حكمة كررها الشعراء بأساليب مختلفة، ولم نعدم من السياسيين من يرددها على طريقة من قال:"إن الإنسان يمكن أن يكون وزيرا في عينه"، إلا أن هذه الفكرة الليبرالية المحافظة التي تعوّل على تغيير إحساس الناس تجاه واقعهم بدلا من تغيير هذا الواقع لم تعد قادرة على الثبات وتزييف وعي الجماهير التي أصبح بإمكانها رؤية التناقض بين القول والفعل للذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.
ولو سألنا كثيرا من الأفراد عبر العالم عن السعادة لقالوا إنها البيت المريح والصحة الجيدة والدخل الوافر والنجاح الاجتماعي.. إلى آخر القائمة، ولكن توحيد طموحات الناس عبر أرجاء القرية الكونية يجعل مهمة تجميل البؤس والفاقة عملا أصعب من ذي قبل بكثير.
إن على السياسيين والباحثين عن الربح عبر العالم أن يكونوا أكثر حيطة وحذرا في ظل وعي بشري وطموحات تتجه نحو التشابه، وبانتظار أن تجد الإنسانية سبيلا إلى التشارك بدلا من التنافس، لا نملك إلا التأسف على تراجع عدد الزاهدين الذين يرددون البيت العربي الشهير:
 ولست أرى السعادة جمع مال
 ولكنّ التقيّ هو السعيد



الأحد، 19 فبراير، 2012

شباب في مهبّ العولمة

محمد محمود ولد سيدي يحي
تضمّنت إحدى ورقات البردي التي تعود إلى الألف الأول قبل الميلاد نصّا باللغة المصرية القديمة يحمل شكوى من فلاح مصري يستغرب سلوك الشباب في زمانه، ويقول إنهم خالفوا الأعراف ولم يعودوا يأبهون لشيء مما يحرص عليه آباؤهم.
 ولو أننا أصغينا اليوم إلى الآباء في هذا الركن القصيّ من إفريقيا لوجدناهم يحملون نفس مشاعر الحسرة والاستغراب تجاه سلوك أبنائهم، فصراع الأجيال سنة كونية واختلاف الخلف عن السلف من طبائع العمران البشري والاجتماع الإنساني على حد تعبير عبد الرحمن ابن خلدون.
ولعل من ينظر إلى طموحات مواليد التسعينيات وأواخر الثمانينيات من شبابنا وشاباتنا في موريتانيا اليوم سيفاجأ بأن حجم الاختلاف يبدو كبيرا وزاوية الاهتمام تكاد تكون مغايرة، ليس فقط مقارنة مع جيل الاستقلال وإنما بالنسبة إلى مواليد الستينيات والسبعينيات.
ومتابعة القنوات الفضائية التي يشاهدها هؤلاء تؤكد أن الذوق مختلف عن الجيل الذي يكبرهم مباشرة، فبرامج البث الرياضي، والأفلام العنيفة تستأثر باهتمام الفتيان المراهقين، بينما تتفق فئة المراهقات على حفظ أحدث أغاني الفيديو كليبس التي تبثها القنوات الفنية، وتقصي أخبار الفنانين وسيرة الحياة اليومية لما يعرف بنجوم"استار أكاديمي" والمسلسلات المدبلجة.
والطريف في عمومية هذه الثقافة هو عدم تفريقها بين مراهقي ومراهقات الأحياء الغنية وتلك الفقيرة؛ فالجميع يتبادلون الحديث حول عالم المغامرات الافتراضية، وترتفع أصواتهم بالجدال حول أبطالهم المفضلين في فناء المدارس العمومية والخصوصية التي تجمعهم.
وفي فئة البالغين وطلاب الجامعة نجد مستوى من الاهتمام بالشأن العمومي على مستوى النقاشات، إلا أن ثقافة الموضة والصعود السريع الذي خلقته اقتصاديات "اتبتيب" رسخت معارف متداولة حول ماركات السيارات الفارهة، والهواتف النقالة الملونة، مما جعل موضوع التأشيرات والهجرة إلى الخارج والغنى السريع يسيطر جانب كبير من طموحات تلك الفئة.
ومن هنا نجد أن التحصيل الدراسي والهمّ المعرفي مما لا يحظى باهتمام يذكر لدى الغالبية العظمى من هؤلاء، ولا أدل على ذلك من انحسار عادة القراءة بين المراهقين، اللهم إلا بعض المجلات الفنية، وربما بعض صفحات الويب الخفيفة.
في الثمانينيات كان كثير من المراهقين يطالعون قصص الألغاز ويقبلون على المراكز الثقافية ويتركز طموحهم في التفوق المدرسي، ولذلك ينخرطون في الحركات الأيديولوجية والعمل السياسي مبكرا، وتحتل المناظرات الفكرية والتعليق على الأحداث الإقليمية والدولية جانبا مهما من أحاديثهم، ولكن الأمر مختلف جذريا بالنسبة للفئات العمرية المشابهة في نواكشوط الألفية الثالثة.
ولا شك في أن برامج الفضائيات وتدفق المعلومات على الشبكة العنكبوتية قد شهدت طفرة خلال العشرية الأخيرة جعلت ثقافة الجميع كبارا وصغارا تتكيف معها بشكل لم يكن مطروحا على شباب ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم.
المخرج الزميل أحمد حبيبي كتب حينذاك عمودا في جريدة الشعب تحت عنوان "شبابنا أبناء فلان" وكان ينتقد على أترابه ترددهم في ولوج مجال التمثيل والفن والمسرح، لأن كثافة الموروث العائلي تمنعهم من الإقبال على مهن لم يتقبلها المجتمع بعد، ولكن الإحراجات التي كانت تواجه جيل الثمانينيات، أصبحت غائبة من أذهان معظم شبابنا اليوم الذين يحلمون بالمشاركة في أكاديميات النجوم وربما عروض الأزياء في المشرق والمغرب.
وقد تكون هذه حسنة من حسنات العولمة التي بدأت تقضي على ميراث القبيلة والعائلة وأساطيرها التي يعتقد البعض أنها تكبّل الموريتانيين، ولكن هؤلاء سيعودون للبكاء على ذلك الزمان الذي كان فيه للشباب نسب معروف لأن أصعب جيل على الانضباط هو جيل المشردين المجردين من كل انتماء.
عامل أساسي  كان له الدور الحاسم في إفقار ثقافة المراهقين وافتقادها إلى ما يشدها إلى الأمور العامة، هو هذا الارتباك الشديد  الذي تعرضت له المنظومة التربوية خلال العقد الماضي، وضآلة البرامج والأنشطة المنظمة التي تتوجه لملء الفراغ الذي تعاني منه شريحة كبيرة في مدينة مختنقة تنعدم فيها المنتديات والساحات العمومية ومركبات رعاية الشباب الفاعلة.
من المنطقي جدا أن نتحدث إذن عن ارتفاع نسبة انحراف الأحداث وسقوطهم ضحية للجرائم المنظمة والأفكار الغريبة، ولعل تنامي ظاهرة الاغتصاب وتعاطي المخدرات مما يعكس صحة البيت الشهير:
 إن الفراغ والشباب والجده
 مفسدة للمرء أي مفسده
لا يتعلق الأمر بالدفاع عن القول المأثور"آباؤكم خير من أبنائكم إلى يوم القيامة"، مادام الحلم بإعادة شباب اليوم إلى تقليد حياة آبائهم كالحلم بعودة الشباب لمن غزاه الشيب، والموقف الصحيح هو أن نقول مع القرآن الكريم عن الجيل القديم {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}
ولكن تحديات العولمة تقتضي إخراج جموع اليافعين واليافعات من دوامة العوالم الافتراضية إلى تحقيق مغامرات مقبولة وناجحة تستغرق طاقاتهم الخلاقة،  وتوظف حيويتهم المتدفقة.
إن أخطر ما يواجه شباب هذه الأيام ليس تذوقهم للأغاني الراقصة وافتتانهم بعالم السرعة، ولكنه خضوعهم لرحمة المعلبات الفكرية والثقافية التي تقدمها حضارة الإعلان بألوان زاهية تسلب الألباب.
إن التحدي الأكبر هو الاحتفاظ بجذوة الإنتاجية والإبداعية العصامية تجاه عالم ينحو إلى التنميط، ومن ثم فإن المناعة الأخلاقية تجاه مغريات الانحراف وراء الأفكار الغريبة حتى ولو لبست ثوب القداسة والاحترام تحتاج أكثر من وقفة مع الأجيال الجديدة.
من غير المقبول أن نحمل الأسرة وحدها مسئولية رعاية النشء، ولا بد أن تكون برامج رعاية الشباب جهدا مشتركا يخطط له المسجد والإعلام والفن والرياضة والمدرسة والأندية الصيفية.
سيكون علينا أن نزدرد حقيقة اختلاف جيل الأبناء في الهوايات والاهتمامات مع جيل الآباء، لأنها سنة الحياة، ولكن من سنن الله في خلقه أن نطمئن على مستقبل هؤلاء لأننا نرى فيه استمرارا لذواتنا لا نملك أن نفرط فيه.

الاثنين، 26 ديسمبر، 2011

حزب العلم

محمد محمود ولد سيدي يحي

كتب أستاذنا الدكتور عبد الودود ولد الشيخ  في افتتاحيته لأحد أعداد مجلة الوسيط التي درج المعهد الموريتاني للبحث العلمي على إصدارها مناديا بضرورة  إنشاء حزب العلم في موريتانيا أيام  الإقبال الأول على تأسيس الأحزاب و الافتتان بالديموقراطية بعد انتشار موضتها.
ورغم أن كلمة العلم تعني في أذهان الموريتانيين حفظ النصوص والموسوعية في الثقافة الإسلامية الموروثة، إلا أن الباحث الاجتماعي الكبير كان يقصد العلم بمفهومه الأكاديمي المعاصر كما رسخته العلوم الوضعية التي تأسست عليها المعارف الإنسانية الحديثة.
لقد كان واضحا أن حزب العلم في تراجع آنذاك وأن أنصاره قليل لأنه حزب يطلب من مناضليه الكثير من الانضباط  دون أن يعدهم بفرص حقيقية في الوصول إلى مراكز مهمة في هرم السلطة.
وحتى في مراكز البحث العلمي وفي أروقة الجامعة وبين دهاليز مؤسسات التعليم العالي، لم يظهر رواج يذكر للأفكار الجدية والفرضيات الجريئة التي أطلّت برأسها برهة من الزمان ثم انسحبت، كما انسحب الباحثون مهاجرين إلى بلاد الله الواسعة بحثا عن أسواق تستهلك بضاعتهم.
صحيح أن الجدل الفكري وازدحام الآراء رهين بهامش الحرية الذي يمكن أن تصول فيه القرائح وتجول، ولكن العامل الأكبر في تراجع الحيوية العلمية في بلادنا عائد  إلى حيوية الذاكرة الجماعية التي مازالت تقتات على "أساطير" الثقافة الشفوية القبلية، وتحيط البحث العلمي في الشؤون الاجتماعية والإنسانية بمحرمات كثيرة  تجعل الأشواك والمخاطر محدقة بالأفكار والفرضيات غير التمجيدية.
وأمام حصار المجتمع لحرية البحث العلمي لم تمتلك النخب المسيطرة في كثير من الأحيان شجاعة المغامرة برعاية معارف ونظريات تعتبر أنها تخلق لغطا قد يشوش على خطاباتها السياسية التبسيطية.
في الغرب والشرق ينفقون أموالا طائلة على البحث العلمي تصل في كثير من الأحيان إلى مستوى نصف العشر لتضاهي بذلك نصيب الزكاة في الإنفاق العمومي، ويجد البحث العلمي سوقه الرائجة في الشركات والمؤسسات الخصوصية التي تتسابق لمنح تشجيعات للباحثين في مجالات اختصاصها.
 ولا يقتصر الأمر هنا على البحث في مجال العلوم التطبيقية والتكنولوجيا؛ فكثيرا ما كانت المؤسسات حريصة على إجراء الدراسات والبحوث الاجتماعية حول الرضا الوظيفي لعمالها، ومشاكلهم الاجتماعية والنفسية. لأن محورية الإنسان في العملية الإنتاجية تجعله جوهر الاهتمام في كل شيء.
أما في بلدان العالم الثالث كما في بلادنا فإنهم يعتبرون ذلك ترفا لأن الإنسان محدد الهوية والتصنيف بناء على معتقدات جماعية متوارثة مما يجعله معروفا في نظر العامة باسمه واسم أبيه وفصيلته التي تؤويه.
 إنه الإنسان النمطي الذي يسلك كما كان آباؤه يسلكون كما قال الشاعر الكبير أحمدو ولد عبد القادر معبرا عن تلك الرتابة والتكرارية في حياتنا:
 رحلنا كما كان آباؤنا يرحلون
وهانحن نبحر كما كان أجدادنا يبحرون.
لا جديد إذن مادام الأول لم يدع للآخر شيئا ومادام الشعراء لم يغادروا متردما كما أكد عنترة العبسي منذ أكثر من خمسة عشر قرنا!!
لقد كان في وسع الموريتانيين أن يكونوا أحسن حالا لأنهم ورثوا تقاليد الاحتفال بالعلم الشرعي وخلقوا في عصر السيبة حزبا لذلك العلم كان في بعض الأحيان قادرا على موازنة قوة السيف؛ حتى قال قائلهم "إن الناس لا يعيشون إلا في ظل ركاب أو كتاب"، إلا أنهم قعدوا في مجال العلوم الدنيوية التي أصبحت محك النظر الذي يوجه حياة الناس في عالمنا اليوم قياسا على حياة السلف أيام كانت نحلة المعاش معتمدة على حرف بسيطة تتوراثها العائلات دونما حاجة لعلوم نظرية تقوم عليها.
لقد كان العلم حينذاك وسيلة لرفع بيت لا عماد له كما قال الشعراء، ولكنه اليوم تجاوز الطابع الرمزي ليصبح الأداة الوحيدة الممكنة للنهوض بأمة لا عماد لها، في مجتمع التكالب على المعلومات والتسابق في استغلالها وإنتاجها.
وفي موريتانيا اليوم تنشغل النخبة السياسية بالمهاترات و الصراعات الضيقة بعيدا عن العناية ببناء مؤسسات راسخة تدمج الشوق إلى الإبداع والمعرفة في نفوس الأجيال الجديدة .
 إلا أن إنعاش حزب العلم لا يقتصر على عناية السياسيين وحدها ولا بد من وجود أوساط حاضنة في الجامعة ومؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، حيث ينبغي أن يولد تقليد جديد بتقديم البحوث والدراسات بين المختصين بشكل دوري، مما ينفي عن هذه المؤسسات غبار الرتابة والجمود، وهو ما يتطلب هامشا خاصا بحرية التفكير والتعبير يعطي الأولوية للجريء والجديد.
وسيكون من الضروري أن تلتزم الشركات والمؤسسات بتخصيص نسبة ولو يسيرة من موازناتها السنوية لتمويل الدراسات والبحوث حول قضايا تهمها.
لقد رأى أبو نصر الفارابي أن المدينة الفاضلة هي تلك التي يقودها الفلاسفة، ولكن شيخه أرسطوطاليس كان واقعيا عندما جعل استشارة الحكماء كافية لوجود الحكم الصالح.
وفي عالمنا اليوم تعتبر معايير الأمم المتحدة أن من مؤشرات النمو والتقدم التي لا غبار عليها تزايد ما تخصصه ميزانيات الدول للبحث العلمي، لأنه هو الآخر بوابة من بوابات محاربة الفقر التي لا يهتدى إليها إلا أولو الألباب.